تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نفي خديعة الثقافة العالمية

ثم يشرع في بيان ارتباط الثقافة واللغة بالدين، وينفي وجود ثقافة (عالمية)، أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعا، ويقول: إن هذا (تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم، هدف آخر يتعلق بفرض سيطرة أمة غالبة على أمة مغلوبة لتبقى تبعا لها ... فالثقافات المتباينة تتحاور وتتناظر وتتناقش، ولكن لا تتداخل تداخلاً يفضي إلى الامتزاج البتة، ولا يأخذ بعضها على بعض شيئاً، إلا بعد عرضه على أسلوبها في التفكير والنظر والاستدلال .. ويفضي بعد هذا إلى وجوب استبعاد عمل المستشرقين وإقصائه في دراستهم لأمتنا وتاريخها وثقافتها.

رواد النهضة كما يراهم شاكر:

والشيخ شاكر يرى أن الأمة كان بإمكانها أن (تنهض) وأن تدخل طوراً تجديدياً في تاريخها المعاصر، ولكن كان ما كان ... ويعلق أن النهضة كان يمكن لها أن تكون على يد خمسة رجال هم:-

1 - عبد القادر بن عمر البغدادي (1682 م) صاحب " خزانة الأدب" في مصر، وهو الذي يعتبره الشيخ شاكر الرائد في تبنّيه إعادة قدرة الأمة على التذوق، تذوق اللغة والشعر والآداب وعلوم اللغة.

2 - الجبرتي الكبير حسن بن إبراهيم (والد صاحب التّاريخ) (1774 م) في مصر، ويعتبره الشيخ/ شاكر رائد في تنبيه الأمة إلى الصناعات الحضارية وعلوم الكيمياء والفلك.

3 - محمد بن عبد الوهاب (1792 م) في جزيرة العرب، ويعتبره الشيخ شاكر رائداً في تحقيق النّهضة الدينية، وردّ البدع والعقائد الفاسدة.

4 - محمد عبد الرّزّاق المرتضى الزبيدي صاحب " تاج العروس" (1790 م) في الهند وفي مصر، فهو رائد بعث التراث اللغوي الديني.

5 - محمد بن علي الشوكاني (1834 م) في اليمن، ويعده الشيخ شاكر إماماً في إحياء عقيدة السلف ونبذ التقليد والدعوة إلى الوحدة وتجريم التعصبّ.

ثم بين الشيخ شاكر أسباب عدم حصول النهضة، ويربط بين الإخفاق الحاصل وبين جهود المستشرقين في إيجاد الصراعات تحت عناوين:- (الأصالة والمعاصرة) و (القديم والجديد) و (الثقافة العالمية) وبالقضية الهزلية (قضية موقفنا من الغرب).

التوصيف الموضوعي لهجمة نابليون على مصر:-

اعتبر الشيخ أن هجمة نابليون على مصر هي من أجل إجهاض ما كان يمكن أن يكون من نهضة لهذه الأمة .. يقول - رحمه الله-: وئدت (اليقظة) أو كادت، وخربت ديارها أو كادت، و استؤصلت شأفة أبنائها أو كادت، واقتطعت أسبابها بالسطو أو كادت، والحمد لله على نعماء (الحملة الفرنسية) التي كان سفاحها المبير (المتحضر) ينوي أن ييشئ لبقايا السيف والتدبير من أبناء القاهرة العتيقة المهدمة (قاهرة جديدة) يستمتعون فيها بجمالها وفنونها، ومسارحها وملاهيها، وقصورها ومتنزهاتها، ويتبخترون في شوارعها خدما فارهين للسادة الأحرار أبناء " الحرية والإخاء والمساواة".

بداية التغريب

قد أفاض الشيخ/ شاكر في جرائم محمد علي الألباني المسمى بالكبير، والعجيب أن بعض الإسلاميين اليوم يريدون عد ما فعله هذا الباشا الكبير هو بداية نهضة لهذه الأمة موافقة لهم للتغربيين.

وكتاب الشيخ لمحة خاطفة للصراع الدائر بين الإسلام وخصومه، وكشف للأدوات الجديدة لهذا الصراع، فحري بالشباب المسلم الاطلاع عليه ودراسته.

وبعد هذا شيء قليل من ترجمة الشيخ الأستاذ/ محمود محمد شاكر - رحمه الله تعالى-، أردنا أن نُعَرِّفَ به، وأن نكشف عن معركة أهل الإسلام ضد زنادقة الأدب الذين ما زالوا يعيثون في عقل الأمة فساداً، وهي تنبيه لهذا الجانب العظيم (جانب الثقافة واللغة والأدب) وإشارة إلى أهميته، والذين يحتقرون هذه المعركة إنما يستخفون بهذه الأمة، إذ لا حياة لأمة من الأمم دون لغتها ودون آدابها، ولغة أي قوم هي وعاء دينهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وهوية وجودهم، ولذلك صدق الشيخ/ شاكر عندما قال: ونحن نعرف أنك لا تحترم أية أمة ولا تقدرها إلا بعد أن تحترم لغتها وتاريخها، وليس شيءٌ أخطر على هذه الأمة من أن تجعل أبنائها يحتقرون لغتهم.

بعض المعاصرين · الصفحة ٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٩٢