ثم قام الشيخ - رحمه الله- ببيان أنه لا يمكن للمستشرق أن يستوعب ثقافة هذه الأمة، ولا أن يقوم بتحليلها كما هي في نفسها .. يقول: - غاية ما يمكن أن يحوزه (مستشرق) في عشرين أو ثلاثين سنة، وهو مقيم بين أهل لسانه الذي يقرع سمعه بالليل والنهار، أن يكون عارفاً معرفة ما بهذه (اللغة) وأحسن أحواله عندئذ أن يكون في منزله طالب عربي في الرابعة عشرة من عمره، بل هو أقل منه على الأرجح ..
أما إمكانية إحاطة المستشرق لأمر الثقافة فهذا أمر عسير جداً، وهو أبعد من قضية أحاطته للغة .. يقول الشيخ - رحمه الله تعالى-:
" وإذا كان أمر " اللغة" شديداً لا يسمح بدخول " المستشرق" تحت هذا الشرط اللازم للقلة التي تنزل ميدان " المنهج" و " ما قبل المنهج"، فإن شرط "الثقافة" أشد وأعتى، لان " الثقافة"، كما قلت آنفا: " سرٌّ من الأسرار الملثّمة في كل أمة من الأمم وفي كل جيل من البشر، وهي في أصلها الراسخ البعيد الغور، معارف كثيرة لا تحصى، متنوعة أبلغ التنوع لا يكاد يحاط بها، مطلوبة في كل مجتمع إنساني، للإيمان بها أولاً من طريق العقل والقلب = ثم للعمل بها حتى تذوب في بنيان الإنسان وتجري منه مجرى الدم لا يكاد يحس به - ثم الإنتماء إليها بعقله وقلبه انتماءً يحفظه من التفكك والانهيار" ... وهذه القيود الثلاثة " الإيمان" و " العمل" و " الإنتماء"، هي أعمدة " الثقافة" وأركانها التي لا يكون لها وجود ظاهر محقق إلا بها، وإلا انتقض بنيان " الثقافة"، وصارت مجرد معلومات ومعارف وأقوال مطروحة في الطريق، متفككة لا يجمع بينها جامع، ولا يقوم لها تماسك ولا ترابط ولا تشابك.
وبديهي، بل هو فوق البديهي، أن شرط " الثقافة" بقيوده الثلاثة، ممتنع على " المستشرق" كل الامتناع، بل هو أدخل في باب الاستحالة من اجتماع الماء والنار في إناء واحد، كما يقول أبو الحسن التُّهامي الشاعر:
ومكلِّفُ الأيام ضدّ طباعها متطلِّبٌ في الماء جذوة نارِ
وذلك أن " الثقافة: و " اللغة" متداخلتان تداخلا لا انفكاك له، ويترادفان ويتلاحقان بأسلوب خفي غامض كثير المداخل والمخارج والمسارب، ويمتزجان امتزاجاً واحداً غير قابل للفصل، في كلّ جيل من البشر وفي كله أمة من الأمم. ويبدأ هذا التداخل والترافد والتلاقح والتمازج منذ ساعة يولد الوليد صارخاً يلتمس ثدي أمِّه تلمساً، ويسمع رجع صوتها وهي تهدهده وتناغيه، ثم يظل يرتضع لبان " اللغة" الأول، ولبان " الثقافة" الأول، شيئاً فشيئا، عن أمه وأبيه حتى يعقل، فإذا عقل تولاء معهما المعلمون والمؤدبون حتى يستحصد (أي يشتد عوده)، فإذا استحصد وصار مطيقاً إطاقة ما للبصر بمواضع الصواب والخطأ، قادراً قدرة ما على فحص الأدلة واستنباطها فناظر وباحث وجادل، فعندئذ يكون قد وضع قدمه على أول الطريق = لا طريق " المنهج" و " ما قبل المنهج"، فهذا يعيد جداً كما رأيت= بل على الطريق المفضي إلى أن تكون له " ثقافة" يؤمن بها عن طريق العقل والقلب = ويعمل بها حتى تذوب في بنيانه وتجري منه مجرى الدم لا يحسه به = وينتمي إليها بعقله وقلبه وخياله انتماءً يحفظه ويحفظها من التفكك والإنهيار.
مفهوم الثقافة
ثم بين الشيخ ما يكتنف لفظ الثقافة من تزوير وغموض، وبدا يعرف قارئه ما يقصد بلفظ الثقافة وأنها تقوم على شيئين:
أولهما: أصول ثابتة مكتسبة تنغرس في نفس الإنسان منذ مولده حتى يشارف حد الإدراك، وهو ما يتلقاه من أبويه وأهله وعشيرته، وسمّى هذا الطور بأساس التسخير ...
وثانيهما:- فروع منبثقة عن الطور الأول، وهو طور النظر والمباحثة وممارسته التفكير والتنقيب والفحص، فعندئذ تتكون النواة الجديدة. (ويبدأ العقل عمله المتسبب في الإستقلال بنفسه، ويستبد بتقليب النظر والمباحثة وممارسة التفكير والتنقيب والفحص وهذه تسمى "ثقافة"