تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يمنعني ذلك من الإقدام على قراءة الكتاب، فإذا أوله هذا العنوان" حطموا عمود الشعر"! وتحته مباشرة هذا الكلام: " لقد مات الشعر العربي، مات عام 1933، مات بموت أحمد شوقي، مات ميتة الأبد، مات" .. فتوقفت دهشة، ولم يخامرني شك في أن كاتب هذا داخل فيما يسميه الأطباء: "مانياهلو سينارتوريا"، وهو الهذيان والوسوسة واختلاط العقل. وقلت: ط حاله لُطف"! ومضيت أقرأ هذه المقدمة مشتاقا، لكي أُسَرِّي عن نفسي وكانت أيامنا يومئذ جالبة للغم. وصدق ظني فضحكت ولم أبال بما وجدت فيه من بغض شديد للعرب، ومن حقد آكل على دينهم وكتابهم، ومن غرور فاجر وسوء أدب. ولم اعبأ بالرائحة الخبيثة التي تفوح من تحت ألفاظه، فقد كنت ألفتُ أن أجد ذفرها حين ألقى جماعات المبشرين في ثيابهم المختلفة، حين يستخْفون فيها وحين يستعلنون. وقنعت بما سرَّى عني الهموم من هذيانه ووسوسته واختلاطه، وأنزلت أقواله وأحقاده حيث نزل، إذ كان يومئذ شيئاً مغموراً لا يُؤبَهُ له.

وقد كشف شاكر جهل عوض باللغة العربية، وأنه ومن هم على شاكلته لا يحسنون قراءة التراث ولا يفهمون من ثقافة الأمة شيئاً، بل كشف سوء نواياهم وارتباطهم بالأجنبي، وقد اعترف أنه لا يكشف لويس عوض بمقدار أن يكشف هجمة عاتية على هذه الأمة، لتبصر الأمة حقيقة ما يراد بها من هؤلاء الكتبة .. اقرأ ما يقوله عن لويس عوض:

"إن تكن هذه عجيبة فلويس عوض أعجب منها! فقد ملأه مالئه منذ دهر ثمّ تركه، وضبطه له إلى أهدافه بعينها ثم أطلقه فانطلق يجوس خلال الآداب عامَّة، ثم الآداب العربية خاصة، وهو لا يكاد يرى إلا ما ركب لأجله: لا يكاد يرى إلا اليونان والرّوم، والقرون الوسطى والمثقفين والحضارة الحديثة، والحروب الصليبية والصلبان والخلاص، والفداء، والخطيئة، وكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي، واللغة العامية، والفتح الإنجيلزي لمصر سنة 1882، وما شئت من أمثال ذلك مما ضمنّه كتبه ومقالاته قديماً وحديثاً.

فهذا التركيب الموجَّه (!!) لا يكاد يرى ابن خلدون إلا مقرونا باورسيوس ولا المعرِّي إلا مقروناً براهب دير الفاروس وبالحروب الصليبية والصلبان التي غصّت بها حلب (!!) ولا " وردة الدهان" وهي آيات العذاب يوم القيامة، إلا مقرونة بروزا مستيكا (مريم العذراء)، ومعاذ الله، وبرَّأها مما في عقله من السمادير ولا يكاد يرى عمر مكرم وعرابي وجمال عبد الناصر إلا مقرونين بالمعلم يعقوب رئيس الخونة المظاهرين للفرنسيين الغزاة أيام نابليون ولا توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور، إلا مقرونين بعقائد الخلاص والفداء والخطيئة. ثم تأتي الطامة الكبرى، فلا يكاد يرى القرآن العظيم إلا مقروناً بترجمته إلى اللغة العامية، كما تُرجِم الإنجيل إلى اللغات الحديثة وهي عامية اللاتينية، وإلا مقرناً بكسر رقبة البلاغة، وكسر عمود الشعر العربي. وهنا وهناك تراه طائشاً، زائغ العينين خفيف العقل سليط اللسان، قد استرخت مفاصل عقله، وانحلت تلافيفه. هذا، والذي أطلقه واقف من بعيد ينظر، وفي عينيه الدهشة ويحك ذقنه بيده، ويفتر ثغرة عن ابتسام، إعجاباً باختراعه المدهش الذي ركّبه وأطلقه، ولم يكن يظن ظناً أنه قادر على أن يتحرك في عمود واحد من إحدى الصحف السرية!! ف إذا به (يبرطع) في ثمانية أعمدة، في أكبر صحيفة في العالم العربي والإسلامي، هي الأهرام، وعلى أشرف منصة في معهد الدراسات العليا التابع للجامعة العربية ويأتي في خلال

"برطعته" (وهي البلتعة بالفصحى) بالعجائب التي لا تنقضي س، وقد ارتدى طيلسان أستاذ جامعي، بلا حسيب ولا رقيب. وهذا نجاح مدهش ولا شك وحق لمالئه أن يميد به الغرور وتستخفه الخُيلاء باختراعه هذا العجيب! فهذه هي الفضيحة التي لا تنكر للإختراع المسجل (لويس عوض)!.

بعض المعاصرين · الصفحة ٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٨٦