تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في سنة 1964 بدأ لويس عوض - الذي عُيِّنَ مستشاراً ثقافياً لجريدة الأهرام - ينشر مقالات تحت عنوان: (على هامش الغفران- شيء من التاريخ) مزج في مقالاته خبث الطويّة التي كان مبناها على نصرانية الأصل، وتربيته في الغرب، مع جهل بتاريخ الأمة ولغتها، فاشتعلت حمية الشيخ /محمود شاكر لمّا رأى:-

كشيش أفعى أجمعت لعضٍّ فهي تحك بعضها ببعض

وإذا هو أسود سالخ (وهو أقتل ما يكون من الحيّات) يمشي بين الألفاظ فيسمع لجلده حفيف، ولأنيابه جرش، فما زلت أنحدر مع الأسطر والصوت يعلو، يخالطه فحيح، ثمّ ضباج، ثم صفير، ثم نباح (وكلها من أصوات الأفاعي) .. بهذا قرر الشيخ أن يترك عزلته عن الكتابة، ويمسح عن قلمه الصدأ الذي أصابه، ويخرج وقد لبس لأمته ليكشف ما يقوم به المزورة لتاريخنا، الداعون إلى تحطيم مقومات هويتنا، فبدأ بنقض ما يقوله لويس عوض، وقام بكشف جهله وجهل جماعته بآداب هذه الأمة، وصال فيهم بثقة اكتسبها من إدراكه العميق لهذه الثقافة، ومن ثقته بهذا الدين، وأرجع هجومهم على هذه الثقافة على أصولها، وأنها هجوم على دين الله تعالى، فربط بين لويس عوض وبين سلامة موسى وبين دوائر الاستشراق التي تربّي أمثالهما على عينها، ثم تخرجهم وقد تبوؤا على مراكز القرار، فعاثوا في الأمة الفساد، وقوضوا أبنيتها الشامخة بألاعيبهم وأكاذيبهم، والشيخ وإن اتخذ لويس عوض نموذجا فإنما أراد بمقالاته التي سمّاها " أباطيل وأسمار" أن يكشف عن جيل كامل حمل معاول الهدم والتدمير، ورضي لنفسه أن يكون تابعاً لدوائر التبشير والإستشراق.

في مقالاته " أباطيل وأسمار" صنع الشيخ/ شاكر ملحمة فكرية رائعة أبان فيها عن قضية المنهج الذي أفسده هؤلاء فقال:-

ولفظ (المنهج) كما سيأتي يحتاج مني إلى بعض الإبانة، وإن كنت لا أريد به الآن ما اصطلح عليه المتكلمون في مثل هذا الشأن، بل أريد به (ما قبل المنهج) أي الأساس في تناول المادة، وشطر في معالجة التطبيق.

وتعد كتب الشيخ نموذجاً لتطبيق هذا المنهج بكل أمانة وقوّة.

والعظيم في الأمر أن الشيخ جعل كلّ ذلك من أجل الدين، وجعلها معركة له وتحت رايته ..

قال الشيخ واصفاً حال هذه الفترة في عرضه لكتابه:- وقد بدأت أكتب هذه الكلمات بعد عزلة ارتضيتها لنفسي منذ سنين لأني خشيت أن لا أقوم بحق القلم عليّ وبحق الناس عليه، فوجئت بأشياء كنت أراها هينة لا خطر لها، فاستبان لي بعد قليل من مذاكرة أصحابي أن الأمر أهول مما ظننت، فمن أجل ذلك فارقت عزلتي، وبدأت حريصاً على أن لا أخون حق القلم عليّ، ولا حق الناس عليه.

ونعم، لم أكن غافلاً عما يجري من حولي بل كنت مصروفا عن متابعة بعض الحوادث والنوابت، وعن تعليقها بأسبابها، وعن اتباعها بنتائجها، إذ كنت امرءاً ملولاً، وهو مما قضى الله أن أكونه، يسرع إليّ المللُ فأطرح شيئاً كثيراً أعلم عن أصحابه من السخف ما أعلم، فلا أقرأه ولا ألقي إليه بالا. فمن ذلك ما كان يكتبه " أجاكس عوض"، الذي كان يُعرف، فيما غَبَر، باسم " لويس عوض".

كان من سوالف الأقضية أن كتب الله عليّ يوما ما: أن أقرأ له شيئا سماه "بلوتولند"، وقصائد أخرى وكتب تحته " من شعر الخاصة" وأهداه إلى " كريستوفر سكيف" وذلك في 1947 من الميلاد. ولما كنت أعلم حَبْءَ "سكيف" هذا، وأنه كان أستاذاً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأنه كان جاسوساً محترفاً في وزارة الاستعمار البريطانية، وأنه كان أيضاً مبشراً ثقافياً شديد الصفاقة سيء الأدب، وأنه كان ماكراً خبيثاً خسيس الطباع، وأنه كان يفرق بين طلبة القسم الإنجليزي في الجامعة: يمدّ يداً إلى هذا، لأنه تابع له حاطب في هواه، وينفض يده من ذاك، لأنه يعتصم ببعض ما يعتصم به المخلصون لدينهم ووطنهم، حميّة وأنفة، واستنكافاً أن يضع في عنقه غُلاً للسيادة البريطانية، وللثقافة التبشيرية المسيحية. وكنت أعلم فوق ذلك، أنه " شرلتان" عريض الدعوى، لا يستحق أن يكون أستاذاً في جامعة، ولكن سياة بريطانيا كانت يومئذ هي الغالبة، وكانت كلمتها هي النافذة. فأصبح سرّ " أجاكس عوض" مفضوحاً عندي، بإهدائه " بلوتولند، وقصائد أخرى" إلى هذا الجاسوس المحترف، والمبشر الثقافي الصفيق، و" الشرلتان" الذي صار أستاذاً في الجامعة، " كريستوفر سكيف"!.

بعض المعاصرين · الصفحة ٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٨٥