بقيت ألبانيا تحت الاحتلال الإيطالي نحو أربع سنوات، ثم وقعت تحت ألمانيا، لكنها ما لبثت أن انسحبت منها بعد عام واحد من إحكام قبضتها عليها، وكانت الهزائم قد توالت عليها، ولم تجد مفرًا من ترك ألبانيا؛ فتسلم الحكم فيها جبهة التحرير القومية بقيادة الشيوعيين، وكانت هذه الجبهة قد تأسست في سنة (1360 هـ = 1941 م)، وقادت حركة المقاومة ضد الغزو الإيطالي والألماني.
ولما وضعت الحرب أوزارها، وعاد الهدوء إلى ألبانيا، أُجريت انتخابات في سنة (1365 هـ = 1945 م)، أسفرت عن فوز "أنور خوجا" زعيم الحزب الشيوعي الألباني، فتولى مقاليده لأكثر من أربعين عامًا، حكم بلاده بالحديد والنار، وفرض عليها عزلة صارمة.
المولد والنشأة
ولد أنور خوجا في بلدة "أرجيرو كاسترو" سنة (1326 هـ = 1908 م)، ونشأ في وسط عائلة مسلمة، اشتغلت بالتجارة وعُرفت بالثراء، وتلقى دراسته الأولى في مدرسة فرنسية في "كوريتسا"، وهناك انخرط في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، وبعد أن أنهى دراسته سافر إلى "بلجيكا"؛ حيث عمل سكرتيرًا للسفارة الألبانية، ثم عاد إلى بلاده سنة (1355 هـ = 1936 م)، واشتغل بالتدريس. ولما تعرضت بلاده للغزو الإيطالي سنة (1358 هـ = 1939 م) انقطع عن التدريس، وانخرط في صفوف المقاومين للاحتلال الإيطالي.
مقاومة الاحتلال
بعد فرار أحمد زوغو ملك ألبانيا تاركًا بلاده فريسة الاحتلال الإيطالي اشتعلت حركة المقاومة ضد الغزاة، وكان أنور خوجا واحدًا من قادة المقاومة، وحُكم عليه بالإعدام غيابيًا في سنة (1360 هـ = 1941 م)، ثم شارك في تأسيس جبهة التحرير القومية التي تزعمت حركة مقاومة الطليان والألمان، وكان الشيوعيون يتزعمون هذه الجبهة، ثم تولى قيادة المقاومة ورئاسة اللجنة الألبانية المناهضة للفاشية في (جمادى الآخرة 1363 هـ = مايو 1944 م)، وفي أثناء هذه الفترة شارك في تأسيس الحزب الشيوعي الألباني وتولى أمانته؛ فلما انتهت الحرب العالمية الثانية، وخرج الألمان من ألبانيا؛ أُجريت الانتخابات، وفاز "أنور خوجا" برئاسة الحكومة الألبانية في (1365 هـ = 1945 م).
رئاسة البلاد
بعد استقرار الأحوال في ألبانيا، ونفض غبار المقاومة، ومكافحة الغازي المحتل أُجريت انتخابات عامة في سنة (1366 هـ = 1946 م) فاز بها أنور خوجا، وعلى إثرها أُعلنت ألبانيا جمهوريةً شعبية، وأُلغيت الملكية رسميًا، وأصبح أنور خوجا رئيسًا للبلاد، وما إن أمسك بمقاليد الأمور حتى بادر إلى قطع العلاقات مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
كان أنور خوجا من المعجبين بـ"ستالين" دكتاتور الاتحاد السوفيتي، فوقف إلى جانبه حين نشب خلاف سنة (1367 هـ = 1948) بينه وبين "تيتو" الرئيس اليوغسلافي، على الرغم من مساندة الحزب الشيوعي اليوغسلافي للشيوعيين الألبان في أثناء الاحتلال الإيطالي لبلادهم، غير أن هذا التأييد الذي أبداه أنور خوجا للسياسة السوفيتية توقف بعد وفاة ستالين سنة (1373 هـ = 1953 م)، وانتهاج خلفائه سياسة مغايرة؛ فتحوَّل التأييد إلى عداء مستحكم، انتهى بقطع العلاقات بين البلدين في سنة (1381 هـ = 1961 م)، وكان من الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة وقوف "خوجا" إلى جانب الصين في صراعها الأيديولوجي المذهبي ضد الاتحاد السوفيتي، ثم أعقب ذلك انسحاب ألبانيا من حلف "وارسو" سنة (1388 هـ = 1968 م)، والتوقف عن المشاركة في "الكوميكون"، وهو المجلس المشترك لمساعدة دولة الكتلة الشرقية.
أدت هذه السياسة التي اتبعها أنور خوجا إلى انعزال ألبانيا عن أوربا والعالم الخارجي، ولم يعُد لها من حليف سوى الصين، لكن الصين نفسها انتهجت بعد وفاة "ماوتس تونج" سياسة مرنة ومهادنة للولايات المتحدة الأمريكية؛ الأمر الذي جعل أنور خوجا يعيد النظر والتفكير ويقلب الرأي، فأعاد العلاقات الدبلوماسية مع يوغسلافيا واليونان؛ للتغلب على شيء من العزلة التي فرضها على بلاده، وفي الوقت نفسه ساءت علاقاته مع الصين، وانتهى بها الحال إلى قطع مساعداتها له.