وجاءت أول أعماله الوطنية إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث دعا إلى تشكيل وفد مصري يناط به التحدث باسم مصر في مؤتمر فرساي سنة (1337 هـ= 1918 م) للمطالبة باستقلالها، دون نظر إلى حزب أو جماعة سياسية، وهو بذلك صاحب فكرة تأليف وفد مصري للتفاوض، فلما طرحها على سعد زغلول استحسنها ووعده بعرضها على أصدقائه، وبلغ من إعجاب سعد زغلول بهذا الاقتراح أن قال في مذكراته: "إن الأمير يستحق تمثالا من الذهب لو نجحت هذه المهمة" غير أن سعد زغلول انفرد بتأليف الوفد بعيدا عن صاحب الاقتراح الذي غضب لهذا التصرف، وكادت تحدث أزمة تهدد الصف ثم تغلبت المصلحة العامة على هذا الخلاف، وعاود سعد زغلول الاتصال بالأمير عمر طوسون، ووقف عمر طوسون إلى جانب ثورة 1919 م، وأعلن هو وبعض الأمراء تضامنه مع الأمة، ومطالبتهم باستقلالها استقلالا تاما بلا قيد أو شرط، وكان قصره في الإسكندرية مركزا للعمل الوطني تصدر منه البيانات المؤيدة لحقوق الأمة.
السودان .. امتداد مصري
كان الأمير عمر طوسون يعد السودان امتدادا طبيعيا لمصر، وكتب ذلك في الصحف وضمنه كتبه ومذكراته، وكان لا يذكر السودانيين إلا بما يليق بهم، ويبدي إعجابه بكفاحهم وجهادهم. وحين شكلت لجنة لوضع الدستور المصري برئاسة حسين رشدي باشا سنة (1341 هـ= 1922 م) كتب إليهم قبل أن تبدأ أعمالها مذكرا بأهمية السودان واعتباره ضمن حدود البلاد كما كان قبل الاحتلال، وبوجوب تشكيل مجلس النواب من السودانيين والمصريين على حد سواء يعمل للمصلحة المشتركة التي لا انفصام لها أبدا، وكان لهذا الخطاب أثره في مناقشات لجنة وضع الدستور.
وكان يدعو دائما إلى وحدة الأمة واجتماع الشمل، ويكره الشقاق والخلاف، ولا يهدأ حتى تسكن الفتنة ويلتئم الصف، ويسعى إلى فض النزاعات بين الأحزاب المصرية، حتى لا ينفرط عقدها أمام الاحتلال البريطاني الذي كان يزكي هذه النزاعات ويشعل نارها.
رائد في كل نفع
كارت عمر طوسون
وعمر طوسون من أكثر المصريين في العصر الحديث مشاركة في أعمال الخير، ويعد هو وأحمد باشا المنشاوي أكثر اثنين إنفاقا في المشروعات الخيرية، وحسبك أن تعلم أن المنشاوي باشا أوقف نحو ألف فدان على أعمال الخير والإصلاح، ولا تزال آثار يديه شاهدة على ذلك، ويندر أن تجد مشروعا نافعا في مصر إلا وللأمير عمر طوسون يد بيضاء عليه، ويأتي في مقدمة أعماله الخيرية ما فعله مع الجمعية الخيرية الإسلامية التي كانت تقوم بدور عظيم في مجال التعليم عبر مدارسها المنتشرة في أنحاء مصر، فحين تعثرت ميزانيتها بعد أن تأخر كثير من المساهمين فيها في دفع اشتراكاتهم ودعت أهل الخير للتبرع بالمال لاستكمال رسالتها كان الأمير عمر طوسون أول من استجاب لهذه الدعوة من المصريين وتبرع بمبلغ خمسة آلاف جنيه، وذلك في سنة (1339 هـ= 1920 م)، ولم يكتف بهذا بل دعا غيره للتبرع حتى وصل المبلغ إلى خمسة عشر ألف جنيه، فاستعانت به الجمعية في عملها.
ولفت نظره ما تعانيه الجمعية الخيرية القبطية من ضيق، فتبرع لها بألف جنيه، ودعا الأقباط إلى الاكتتاب لها كما دعا المسلمين إلى الاكتتاب لجمعيتهم، ونشر ذلك في الصحف، وجاء في دعوته: "والغرض الأقصى لي من ذلك أن أشرف على مضمار للخير في مصر بين الأخوين الشقيقين المسلم والقبطي، تتسابق فيه العزائم وتتبارى الهمم؛ لأنظر إلى أية غاية يجري الأخوان المتباريان".
كما تبرع لمدرستي البطركخانة والمشغل البطرسي على إثر زيارته للأنبا كيرلس بطريرك الأقباط الأرثوذكس بمبلغ من المال، يصرف من ريعه على الطلاب المتفوقين في المدرستين.
وشارك مشاركة فعالة في جمعية منع المسكرات التي أنشأها الدكتور أحمد غلوش، وكانت مصر قد ابتليت بانتشار الخمارات ومحلات بيع الخمور في أنحائها، الأمر الذي أفزع الغيورين، وكان غلوش واحدا من هؤلاء. وقد لقيت الجمعية عونا ظاهرا من طوسون، فأرسل في سنة (1349 هـ= 1930 م) إلى رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب رسالة طالبهم فيها بالنظر في سن قانون يقضي بمنع تداول المسكرات في البلاد، وبعث إليهم بمشروع لهذا القانون، وترأس وفدا من الجمعية سنة (1353 هـ= 1934 م) لمقابلة الملك فؤاد، وعرض عليه مذكرة تطالبه بتحريم المسكرات في المملكة.