نصير الخلافة والمسلمين
كان عمر طوسون مثل كثير من المصريين لا يخفي تعاطفه مع الدولة العثمانية باعتبارها دولة الخلافة التي تظل العالم الإسلامي وتربط بين أبنائه، وكانت الدولة تمر بظروف بالغة الحرج بعد أن تآمرت عليها أوروبا وبدأت في التهام بعض أراضيها، وكان طوسون من أعلى الأصوات في مصر مؤازرة للدولة وعونا لها فيما يقع لها من المصائب والكوارث.
فحين نشبت الحرب الإيطالية الطرابلسية سنة (1329 هـ= 1911 م) وخاضت الدولة العثمانية الحرب مع أهالي برقة وطرابلس ضد إيطاليا الطامعة في الأراضي الليبية أهاب الأمير عمر طوسون بالمصريين لمد يد العون إلى إخوانهم المسلمين في القطر الذي يجاورهم (ليبيا)، ورأس اللجنة التي شُكلت لجمع التبرعات لمساعدة الدولة العثمانية في حربها العادلة ضد العدوان، وبدأ بنفسه فتبرع بخمسة آلاف جنيه للجيش العثماني الذي يقاتل هناك، وبألف أخرى لبعثة الهلال الأحمر المصرية التي سافرت إلى هناك. وهذه المبالغ كانت ضخمة في وقتها، بالإضافة إلى ما كان يرسله إلى المجاهدين في برقة والجبل الأخضر من القوافل المحملة بالعتاد والطعام، وكان لهذا العون الكريم أثره في استمرار الجهاد ومواصلة القتال.
ولم يمض عام على هذه الحرب حتى اشتعلت حرب أخرى ضد الدولة العثمانية في البلقان، وكانت أكثر ضراوة وأشد فتكا، وكانت أوروبا تقف خلفها، فانتقض عمر طوسون لمساعدة العثمانيين وبذل جهدا مضاعفا لجمع التبرعات، وجاب أنحاء مصر مع الأمير محمد علي لهذا الغرض، حتى تجمعت لديه حصيلة ضخمة من التبرعات بلغت ثلاثمائة ألف جنيه في بضعة أسابيع، كما نظم البعوث الطبية لجمعية الهلال الأحمر -التي أسسها بعض أمراء أسرة محمد علي- إلى هناك.
ولما انتهت الحرب العالمية الأولى بانتصار الحلفاء وهزيمة الدولة العثمانية اقتطع المنتصرون كثيرا من الأراضي العثمانية، واحتلوا عاصمة دولة الخلافة، واضطرت فلول الجيش العثماني إلى الانسحاب إلى داخل الأناضول للدفاع عن البقية الباقية من بلادهم، وكان هؤلاء يحتاجون إلى العون والمساعدة حتى يستمروا في الدفاع والصمود، فامتدت إليهم يد الأمير عمر طوسون الذي دعا المصريين إلى التبرع لإخوانهم فاستجابوا لدعوته، واستمرت هذه المعونة تتدفق ثلاث سنوات على هؤلاء المدافعين حتى تمكنوا من تحقيق النصر على اليونان وتحرير أرضهم.
ولكن بعد أن تم لهم النصر عصفوا بالخلافة الإسلامية، وأخرجوا الخليفة عبد المجيد وسائر أسرة آل عثمان، وكان لهذا الحادث أثر فاجع في نفوس المسلمين، وعم الحزن أرجاء العالم الإسلامي، فانبرى عمر طوسون يدافع عن مقام الخلافة، ويقف إلى جانب الأسرة المنكوبة، فألف جمعية لمساعدة الخليفة عبد المجيد وأمراء البيت العثماني وإمدادهم بما يحتاجونه.
وآزر عمر طوسون بجهده وماله معظم القضايا الإسلامية التي عاصرها، فناهض سياسة فرنسا في مراكش (الجزائر) التي كانت تدعو إلى تحويل مئات الألوف من المسلمين من ديانتهم إلى غيرها بدعوى أنهم برابرة وليسوا عربا، وفضح سياسة الاستعمار الهولندي في إندونيسيا، مما ترتب عليه أن تراجعت هولندا وتنفس المسلمون بعضا من الحرية التي جعلتهم يحافظون على دينهم وهويتهم.
ووقف إلى جانب قضية فلسطين وناهض سياسة بريطانيا، ودافع عن حقوق المسلمين والعرب في فلسطين، وأهاب بهم جميعا أن يتحدوا ويتجمعوا على كلمة سواء ضد فكرة إنشاء وطن قومي لليهود، وبذل من ماله لمساعدة المجاهدين الذين انبروا للدفاع عن هذه البقعة المقدسة.
في السياسة .. وطني
نزل الأمير عمر طوسون معترك الحياة السياسية وشارك فيها مشاركة فعالة، مدفوعا بحبه لمصر والتزامه بقضاياها الوطنية، ولم يكن يشعر أن ثمة فارقا بينه وبين أحد من أبناء الوطن، فهو ينتمي إلى مصر ويشعر بمعاناة المصريين، ويحس بنير الاحتلال البريطاني كما يحسون، وجاءت أعماله تعبيرا عن المودة التي يكنها لوطنه والشعور بالمسئولية تجاهه، بل إنها فاقت أعمال بعض زعماء الوطنية ورجال الأحزاب، ولم يكن انتسابه إلى البيت الحاكم وانتظامه ضمن سلك الأمراء عائقا عن المشاركة الوطنية في أروع صورها.