تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عني كمال الدين الفارسي ببحوث ابن الهيثم في البصريات ودرسها دراسة وافية وألف في ذلك كتابه المعروف "تنقيح المناظر لذوي الأبصار والبصائر"، وعن طريق هذا الكتاب عرفت أوروبا الكثير عن ابن الهيثم وأعماله وجهوده في علم الضوء، حيث نشر هذا الكتاب مترجمًا في مدينة بال بسويسرا سنة (980 هـ= 1572)، وإن كان قد سبق نشره قبل اختراع الطباعة من قبل "جيرار دي كريمونا" أشهر المترجمين في إسبانيا، الذي اهتم بإنشاء أضخم مجموعة فلكية سنة (676 هـ= 1277 م) عن العلماء العرب، وهذه الكتب استفادت منها إسبانيا والبرتغال في رحلاتهما البحرية في المحيط الأطلنطي بفضل الأزياج الفلكية (الجداول الفلكية) والمعلومات الرياضية التي خلفها العلماء العرب.

وعن طريق هذه الترجمات لأعمال ابن الهيثم تأثر روجر بيكون وجون بيكام وفيتلو في بحوثهم، فكتاب جون بكان الموسوم بالمنظور ليس إلا اقتباسًا ناقصًا من كتاب ابن الهيثم في البصريات، وأما كتاب فيتلو الذي ألفه سنة (669 هـ= 1270 م) فمأخوذ في قسم كبير منه عن ابن الهيثم، ولا يتجاوز النتائج التي وصل إليها.

من مصادر الدراسة:

- القفطي: إخبار العلماء بأخبار الحكماء ـ تحقيق يوليوس ليبرت ـ طبعة مصورة عن طبيعة ليزك ـ مكتبة المتنبي ـ القاهرة.

- أحمد سعيد الدمرداش: الحسن بن الهيثم ـ دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ـ القاهرة 1969 م.

- مصطفى نظيف: علم الطبيعة نشوءه ورقية وتقدمه الحديث ـ مطبعة مصر ـ القاهرة 1927 م.

- قدري حافظ طوقان: تراث العرب العلمي في الرياضيات والفلك ـ (1382 هـ= 1963 م).

عمر طوسون .. رحلة مع أمير "إنسان"

(في ذكرى مولده: 5 رجب 1289 هـ)

أحمد تمام

عمر طوسون

جمع بين الانتساب إلى البيت الحاكم والاقتراب من الشعب وطوائفه المختلفة، وبين الثراء العريض والجد في العمل، وبين الاشتغال بالعمل العام والانغماس في الدرس والتأليف، وبين الالتحام بقضايا الوطن والإحساس بهموم العالم الإسلامي، وملك فوق ذلك كله مروءة عالية تنهض لنجدة الملهوف والمحتاج من الأفراد والمؤسسات والأمم، وكان تعلقه بالواجب يباري تخلقه بالأدب الجم، وكان صورة صادقة للأمير العالم تشهد على ذلك بحوثه ومؤلفاته، وللسياسي الوطني ويدل على ذلك وقوفه مع المجاهدين المصريين، وللثري المحسن الذي وضع ماله وجاهه في خدمة وطنه .. إنه الأمير عمر طوسون.

مولده ونشأته

الأمير عمر طوسون هو الابن الثاني للأمير طوسون بن محمد سعيد بن محمد علي مؤسس مصر الحديثة، ولد في مدينة الإسكندرية يوم الأحد الموافق (5 رجب 1289 هـ= 8 من سبتمبر 1872)، ولما بلغ الرابعة من عمره فقد والده، فكفلته وربته جدته لأبيه وأشرفت على تعليمه، وكانت دراسته الأولى في القصر ثم استكملها في سويسرا، وبعد تخرجه تنقل بين عدة بلدان أوروبية مثل: فرنسا وإنجلترا، وشاهد ما هي عليه من حضارة وتقدم، ووقف على ما وصلت إليه من رقي وتطور في مجالات الصناعة والزراعة، وعاد إلى الوطن محملا بزاد كبير من العلم والثقافة وإجادة للإنجليزية والفرنسية والتركية وعزم على إصلاح بلده والتجديد فيها.

ثروة طائلة .. لكن

بعد عودته تفرغ لإدارة أملاكه، وكان قد ورث ثروة طائلة عن أبيه تضمن له عيشة رغدة واستمتاعا بمباهج الحياة دون تعب أو جهد، ولكنه لم يكن من هذا الصنف الذي يميل إلى الراحة والدعة، بل كان ممن يجد متعته في العمل النافع، فأدار أملاكه إدارة حسنة، وشغل نفسه بتحسين غلة أرضه وتجويد صنف محاصيلها، ولم تمض سنوات قليلة حتى زادت موارد أملاكه، وبلغ من حسن إدارته أن أسند إليه اثنان من أقاربه إدارة شئون أملاكهما، فقام بذلك عن رضا نفس وطيب خاطر دون أن يتقاضى عن ذلك أجرا.

وقد هيأت له نشأته الطيبة وثقافته العالية وميوله الإسلامية أن يقترب كثيرا من أبناء الشعب المصري ويخالطهم، وكان أكثر أمراء البيت العلوي إحساسا بقضايا الأمة وعملا على تحسينها. ويبدو أنه ورث هذه الخصلة من جده الوالي سعيد بن محمد علي الذي كان يعطف على الفلاحين المصريين؛ فأسقط عنهم ما يثقل كاهلهم من الضرائب، وملكهم الأرض الزراعية، وجعل لهم مطلق الحرية في التصرف في زراعتها وبيع حاصلاتها. وكما اقترب طوسون من القضايا الوطنية اقترب كثيرا من القضايا الإسلامية، فلم يُخف ميوله إلى الدولة العثمانية والوقوف إلى جانبها وفي صفها.

بعض المعاصرين · الصفحة ٣٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٣٠٥