ولكي يقطع المستعمر صلة الجزائر بتاريخها العربي الإسلامي عمد إلى تشويه التاريخ الجزائري فحرم الجزائريين من دراسة تاريخهم دراسة سليمة ووافية في الوقت الذي كانوا يدرسون فيه التاريخ الفرنسي كاملا في جميع المدارس، ومنع المدارس العربية التي سلمت من أيدي الاحتلال -ومعها المساجد- من تدريس التاريخ الإسلامي، وعدّ الفتح العربي الذي نشر الإسلام في الجزائر ودام نحو 13 قرنا احتلالا عربيًا، وأنه جاء ليخلص الجزائر من هذا الاحتلال!
وكادت هذه الأساليب الماكرة تؤتي ثمارها لولا مقاومة الجزائريين وجهود الغيورين من أبنائها في الوقوف أمام هذه المخططات التي أفسدت الحياة الثقافية وأوشكت أن تقطع الصلة بين الأمة ولغتها وتاريخها، ومن هؤلاء الغيورين محمد بن أبي شنب الذي ما كان أحد يظن أن تخرج هذه الأرض المحتلة رجلاً مثله يتقن الفرنسية ولا يغفل عن الأخذ من علوم العرب والإسلام.
تكوين ..
في قرية "المدية" بجنوب الجزائر التي تبعد عن العاصمة بنحو 90 كيلومترًا ولد محمد بن العربي بن محمد بن أبي شنب يوم الثلاثاء الموافق (10 من رجب 1286 هـ= 26 من أكتوبر 1869 م)، ونشأ في أسرة تعود جذورها إلى مدينة "بروسة" التركية وكانت على جانب من الغنى واليسار وتعمل بالزراعة.
وقد عنيت هذه الأسرة بتربية ابنها وتعليمه؛ فحفظ شيئا من القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم التحق بالمدارس المدنية التي أنشأتها فرنسا وفق خطتها في نشر ثقافتها؛ فتعلم الفرنسية وقرأ آدابها وتاريخها، وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي التحق بمدرسة دار المعلمين الفرنسية بـ"أبي زريعة" بالقرب من الجزائر، وقضى بها عامًا للدراسة تخرج بعدها مجازًا بتعليم اللغة الفرنسية وآدابها في المدارس الابتدائية.
مدرس ..
وعقب تخرجه عمل بالتدريس في المدارس الابتدائية إلى جانب دراسة علوم العربية وشيء من الفقه والتوحيد، ثم نجح في الحصول على شهادة مدرسة الآداب العليا، فعين مدرسا للأدب العربي في مدرسة قسطنطينية سنة (1316 هـ= 1898 م)، ثم نقل إلى مدرسة الجزائر سنة (1319 هـ=1901 م)، وظل يعمل بها 14 عاما، ثم رُقي إلى القسم الأعلى من هذه المدرسة حيث قام بتدريس النحو والأدب وعلوم البلاغة والمنطق.
ولم تنقطع صلته طوال هذه الفترة عن طلب العلم؛ فهو طالب ومعلم معا، حتى كلل جهوده بنيل درجة الدكتوراة من القسم الأدبي بكلية الآداب بالجزائر بعد أن قدم رسالتين وضعهما بالفرنسية، الأولى عن حياة الشاعر العباسي أبي دلامة، والأخرى بعنوان الألقاب الفارسية والتركية الباقية في لغة العامة بالجزائر، وعلى إثر حصوله على درجة الدكتوراة انتقل سنة (1343 هـ=1924 م) مدرسًا إلى كلية الآداب.
نشاط ..
اقتصر نشاط محمد بن أبي شنب على الدراسات الأدبية واللغوية والتاريخية وتحقيق الكتب، وهو بذلك أقرب إلى العلماء المحققين منه إلى الكتاب والأدباء، ولم يكن يعنى بجمال الأسلوب أو بلاغة العبارة، ولما سئل عن ذلك أجاب بقوله: "خذ العلم، وماذا يعنيك أكان بأسلوب طلي أم كان بأسلوب غير طلي، وحسبك أنك فهمت عني ما أريد، ولا تغرنكم زخارف الألفاظ وتزويقاتها، وهل اللغة وأساليبها إلا أداة للفهم والتفهيم؟! ".
وكان ابن أبي شنب عالما بالعربية، متبحرًا في علومها وآدابها، يحفظ كثيرًا من نصوصها ومفرادتها حتى وصف بأنه "معجم يمشي على الأرض" لكثرة محفوظه من مفردات اللغة المدونة بالمعاجم العربية، وكانت له عناية بجمع الكلمات الكثيرة والتراكيب اللغوية التي تجري على ألسنة الأدباء في القديم والحديث ولم تدون في المعاجم ثم يقوم بدارستها درسا وافيا ويحاول ردها إلى أصولها العربية، ولم تكن مثل هذه المهمة سهلة بل تحتاج إلى معرفة تامة بالقديم وبصر دقيق بالحديث حتى يستطيع التوفيق بينهما في سهولة ويسر ودون تعسف أو تلفيق.