وله دراسة طريفة بعنوان "عالم المكفوفين" أصدرها سنة (1374 هـ = 1954 م) تناول فيها أخلاق المكفوفين، وما يتصف به كثير منهم من الذكاء النافذ، والروح المرحة، وإيداع الشعر والخيال الجامح، ثم اختار عددا من الأعلام المكفوفين وترجم لهم وصوّر حياتهم وأبان عن جهودهم في ميادين اللغة والأدب.
وشارك الشرباصي في الأدب المسرحي، فكان من أوائل من كتبوا المسرحيات الإسلامية، التي استلهمت أحداثها من وقائع التاريخ الصادقة، ملتزمًا الفصحى فيما يكتب، ومن هذه المسرحيات: مؤمنة مجاهدة، مولد الرسول، مشرق النور، الحاكم العادل.
الخطيب البارع
رزق الله الشرباصي ملكة اللسان، فكان خطيبًا مفوهًا يملك أسماع مستمعيه وأفئدتهم ويسيطر على مشاعرهم بأدائه الفذ ونبراته المؤثرة، وعلمه الواسع، وقد بدأ نشاطه الخطابي الواسع منذ أن وطأت أقدامه القاهرة، وكان مسجد المنيرة بالقاهرة موضع خطبه التي جذبت الناس إليها، وظل يخطب بهذا المسجد ثمانية أعوام، اعتقل قرب نهايتها بسبب خطبه الحماسية، ودفاعه عن جماعة الإخوان المسلمين، وقضى في السجن ستة أشهر سجل أثناءها مذكراته اليومية في السجن، ثم نشرها بعد خروجه تحت عنوان "مذكرات واعظ أسير"، وكان الشرباصي لا يفوت فرصة للكتابة عما شاهده ورآه في أسفاره، ومن ذلك كتاباه: "أيام الكويت" حين كان مبعوثًا هناك، و"عائد من باكستان".
وأدى نشاطه الواسع في الخطابة أن ينزل إلى ميدان الإصلاح الاجتماعي يكشف خطأ، أو يصحح مفهومًا، أو يرشد حيرانًا، وأصبح يومه لا يخلو من محاضرة أو درس هنا أو هناك. وقد جمع الشرباصي بعضًا من هذا النشاط الخطابي المتنوع في كتابه "الخطب الشرباصية" في خمس مجلدات.
وشارك بعلمه وجهده في بعض الجمعيات الإسلامية مثل جمعية الشبان المسلمين، وتولى أمانتها فترة طويلة، وجمعية الهداية الإسلامية، وجماعة الأزهر للتأليف والترجمة والنشر، وجمعية النهضة الأزهرية.
وفاة الشيخ
ظل الشرباصي حتى آخر حياته دائم الجهد وافر النشاط، بين التأليف والتدريس والخطابة على المنابر والكتابة للصحف، وإفتاء الناس فيما يعرضون عليه من مسائل، ويتعجب الإنسان كيف جمع الشيخ بين هذا، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.
وحين اشتد عليه المرض في أيامه الأخيرة لم ينقطع عن التأليف على الرغم من عجزه عن إمساك القلم لكن رغبته الصادقة في أن لا يدع شيئًا في صدره من علم يكتمه على الناس جعله يملي على زائريه من تلامذته بعض مؤلفاته مثل "موسوعة أسماء المصطفى".
ولكن لكل شيء نهاية، فانطفأ العقل المتوهج، وتوقف القلم السيَّال، فلقي ربه في (4 من شوال 1400 هـ = 14 من أغسطس 1980 م) تاركًا تراثًا ثريًا وذكرى عطرة.
من مصادر الدراسة:
- محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين - دار القلم - دمشق - 1420 هـ = 1999 م.
- أنور الجندي: مفكرون وأدباء من خلال آثارهم - دار الإرشاد - بيروت - 1386 هـ =1967 م.
- محمد خير رمضان: تتمة الأعلام للزركلي - دار ابن حزم - بيروت - 1418 هـ = 1998 م.
- محمد عبد المنعم خفاجي: الأزهر في ألف عام - عالم الكتب - بيروت - 1408 هـ = 1988 م
أحمد أمين .. مؤرخ الفكر الإسلامي
(في ذكرى وفاته: 27 من رمضان 1373 هـ)
مصطفى عاشور
أحمد أمين
شهدت مصر في الفترة بين أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وأوائل القرن العشرين تكون جيل من العلماء الموسوعيين في كافة المجالات، استطاع أن يقود الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي ردحا من الزمن، واستطاع أيضا أن ينير الطريق الثقافي للأجيال التي جاءت بعده لتبني على مجهوداته ولتكمل مسيرته.
وقد رأى هذا الجيل أن يقود الناس من خلال الكلمة والفكر قبل السياسة والحكم، ولذلك اهتم اهتماما قل نظيره بتثقيف نفسه، فتعامل مع الينابيع الصافية والأصيلة للحضارة والثقافة العربية والإسلامية، وفي الوقت نفسه تعامل وتفاعل مع الحضارة والثقافة الغربية.