تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الأعلام من تتفجر مواهبه مبكرًا، فتجده خطيبًا قد أمسك بناصية الكلام وسيطر على مستمعيه بحسن الإلقاء وبلاغة التعيير، وقد تجد كاتبًا يبهر قراءه بما يكتب وهو لا يزال في مرحلة الطلب، وقد تجده شاعرًا قد دانت له القوافي وملك أزمة المعاني، وقد يرزقه الله سعة فيجمع بين ذلك كله .. وكان الشرباصي واحدًا من هؤلاء، لفت الأنظار إليه وهو طالب لم يحصل على الشهادة الثانوية الأزهرية، وفتحت له الصحف والمجلات أبوابها ينشر إنتاجه المبهر بين كبار الكتاب ويثني على نشاطه أئمة الفكر والبيان.

المولد والنشأة

ولد أحمد الشرباصي في قرية البجلات التابعة لمركز دكرنس بمحافظة الدقهلية بمصر في (12 من صفر 1336 هـ = 17 من نوفمبر 1918 م)، وحفظ القرآن الكريم بكتَّاب القرية، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم التحق بمعهد دمياط الديني وهو في الثانية عشرة من عمره، وبعد أن أنهى دراسته به التحق بمعهد الزقازيق الثانوي سنة (1354 هـ = 1935 م)، تاركًا ذكرى طيبة بين أساتذته في المعهد بعدما بهرهم بذكائه واستعداده الأدبي وهمته الطموحة، وبعد حصوله على الثانوية الأزهرية سنة (1358 هـ = 1939 م) التحق بكلية اللغة العربية، وكان في مقدمة الطلاب طوال فترة دراسته، حتى حصل على الشهادة العالية سنة (1363 هـ = 1943 م) وكُرم مع أوائل الجامعات في حفل أقيم بقصر رأس التين بالإسكندرية، ثم نال شهادة العالمية الأزهرية وإجازة التدريس سنة (1365 هـ = 1945 م)

في خضم الحياة

وبعد تخرجه عمل بالتدريس فترة طويلة، ثم عين وكيلاً لرواق الأحناف بالأزهر سنة (1371 هـ = 1951 م)، ثم سافر إلى الكويت مبعوثًا من الأزهر، وبعد عودته أسندت إليه أمانة لجنة الفتوى بالجامع الأزهر سنة (1377 هـ = 1957 م)، ثم انتدب لتدريس الشريعة الإسلامية في معهد الخدمة الاجتماعية بالقاهرة سنة (1378 هـ = 1958 م)، ثم عمل مستشارًا لهيئة الرقابة على المطبوعات ومراجعة الكتب الدينية، وبعد حصوله على درجة الدكتوراه في الأدب والنقد سنة (1387 هـ 1967 م) عين مدرسًا بكلية اللغة العربية، وكان موضوع أطروحته العلمية "رشيد رضا صاحب المنار".

نشاطه العلمي

بدأ الشرباصي نشاطه العلمي منذ وقت مبكر، وهو لا يزال طالبًا في المعهد الديني الثانوي بالزقازيق حيث لفت الأنظار إليه وأدهش أساتذته حين أخرج وهو في هذه السن الغضة كتابًا بعنوان "حركة الكشف" سنة (1357 هـ = 1938)، ولم يكن الكتاب مقالات متناثرة في موضوعات مختلفة تمتلئ بأساليب الإنشاء المحفوظة التي يكتبها غالبًا الشداة والناشئون، ولكن الكتاب كان هادفًا تحدث فيه عن مبادئ الكشّافة ونظمها وشاراتها، واتفاق كثير من مبادئها وتعاليمها مع تاريخ العرب وأحكام الإسلام.

وقد استُقبل الكتاب استقبالاً حسنًا، ونُوّه بصاحبه، وحظي مؤلفه بكلمة طيبة كتبها الأديب الكبير محمد سعيد العريان في مجلة الرسالة، ومنذ ذلك الحين فتحت الصحف والمجلات صفحاتها للأديب الواعد الطالب بمعهد الزقازيق الثانوي، وأخذت مقالاته تترى على صفحات مجلات مختلفة كـ"الإسلام" و"الصباح" و"النهار" و"منبر الشرق"، بل تطلعت همته إلى أن يكتب في "جريدة السياسة الأسبوعية" ملتقى إنتاج كبار الكتاب والشعراء.

ثم أردف كتابه هذا بكتابين آخرين هما: "محاولة"، و"بين صديقين"، استحق عليهما ثناء النقاد على صفحات الأهرام والرسالة، ثم كرمته جمعية الشبان المسلمين وعرفت له نبوغه المبكر، فأقامت له حفلة تكريمية سنة (1359 هـ = 1940 م)، أشاد المتكلمون فيها بجد الشرباصي وجهده المتصل وهو في هذه السن المبكرة.

وبعد التحاقه بكلية اللغة العربية كان المأمول أن يواصل الشرباصي دراسته الأدبية بعد أن أظهر استعدادًا واضحًا لهذا الاتجاه، وكان جديرًا أن يحتل مكانة مرموقة في مقدمة الدارسين لو تفرغ لهذا الاتجاه، لكن اتصاله بالحركة الإسلامية التي ازدهرت في مصر وسع من دائرة اهتمامه، وفتح أمامه مجالات فسيحة، فأقدم عليها بكل ما يملك من موهبة، وقد تعددت مؤلفاته لتشمل التشريع الإسلامي والدراسات القرآنية، والتاريخ، وغيرها حتى بلغت ما يربو على مائة كتاب، ومن هذه المؤلفات التي قدمها للمكتبة الإسلامية: موسوعة أخلاق القرآن في سبعة أجزاء، و"يسألونك" في سبعة أجزاء، وموسعة الفداء في الإسلام في أربعة أجزاء، والنيل في القرآن، والقصاص في القرآن، وأسماء الله الحسنى، وأمير البيان شكيب أرسلان حياته وأدبه، وهو أطروحته لنيل الماجستير في مجلدين، ورشيد رضا صاحب المنار وهو أطروحته لنيل درجة الدكتوراه في ثلاثة أجزاء.

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٦٢