تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعندما وصل هذا الجيل الفريد إلى الدرجة العالمية من العلم تلفت حوله، فوجد الناس خواء، فقراء فكريا وعلميا، غير أن عقولهم ما زالت تربة خصبة لزراعة الأفكار؛ لذلك سعى ما وسعه الجهد للنهوض بأمته وأبناء جلدته، فخاطب الناس على كافة الجبهات، وفي شتى الميادين؛ فكان هذا الجيل هو حزب الثقافة والنهوض، فلم تضيعه السياسة في مناوراتها، ووعورة طريقها ولكن السياسة كانت عنده مرادفا للوطنية.

حياة في كلمات

تلك المقدمة هي ملخص حياة هذا الجيل الفريد، وهي تنطبق على كثير من رواده، ومنهم الكاتب الموسوعي "أحمد أمين" الذي بدأ حياته أزهريا، واستطاع بعد محاولات أن يخلع هذا الزي، ثم عمل مدرسا بمدرسة القضاء الشرعي سنوات طويلة، ثم جلس على كرسي القضاء ليحكم بين الناس بالعدل، فصار العدل رسما له إلى جانب رسمه، ثم أصبح أستاذا بالجامعة، فعميدا رغم أنه لا يحمل درجة الدكتوراة!، ثم تركها ليساهم في إنشاء أكبر مجلتين في تاريخ الثقافة العربية هما: "الرسالة"، و"الثقافة"، ثم بدأ رحلة من البحث والتنقيب في الحياة العقلية للعرب، فجاء بعد عناء طويل بـ"فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام" و"ظُهر الإسلام".

النشأة والتكوين

وُلد أحمد أمين إبراهيم الطباخ في (2 من محرم 1304 هـ= 11 من أكتوبر 1886 م) في القاهرة، وكان والده أزهريا مولعا بجمع كتب التفسير والفقه والحديث، واللغة والأدب، بالإضافة إلى ذلك كان يحفظ القرآن الكريم ويعمل في الصباح مدرسا في الأزهر، ومدرسا في مسجد الإمام الشافعي، وإماما للمسجد، كما كان يعمل مصححا بالمطبعة الأميرية؛ فتفتحت عيناه على القرآن الكريم الذي يتلوه أبوه صباح مساء.

واهتم والده به منذ صغره، وساعده في حفظ القرآن الكريم، وفرض عليه برنامجا شاقا في تلقي دروسه وعوده على القراءة والإطلاع، كما كان الأب صارما في تربية ابنه يعاقبه العقاب الشديد على الخطأ اليسير؛ وهو ما جعل الابن خجولا، وعُرف عنه أيضا إيثاره للعزلة، فاتجه إلى الكتب بدلا من الأصحاب؛ فنَمَتْ عقليته على حساب الملكات الأخرى.

ودخل أحمد أمين الكُتَّاب وتنقل في أربعة كتاتيب، ودخل المدرسة الابتدائية، وأعجب بنظامها إلا أن أباه رأى أن يلحقه بالأزهر، ودرس الفقه الحنفي؛ لأنه الفقه الذي يعد للقضاء الشرعي.

مدرسة القضاء الشرعي

وقد نشأت في تلك الفترة مدرسة القضاء الشرعي التي اختير طلابها من نابغي أبناء الأزهر بعد امتحان عسير، فطمحت نفس أحمد إلى الالتحاق بها، واستطاع بعد جهد أن يجتاز اختباراتها، ويلتحق بها في (1325 هـ= 1907 م)، وكانت المدرسة ذات ثقافة متعددة دينية ولغوية وقانونية عصرية وأدبية، واختير لها ناظر كفء هو "عاطف باشا بركات" الذي صاحبه أحمد أمين ثمانية عشر عاما، وتخرج في المدرسة سنة (1330 هـ= 1911 م) حاصلا على الشهادة العالمية، واختاره عاطف بركات معيدا في المدرسة فتفتحت نفس الشاب على معارف جديدة، وصمم على تعلم اللغة الإنجليزية فتعلمها بعد عناء طويل، وفي ذلك يقول: "سلكت كل وسيلة لتحقيق هذه الغاية".

وشاءت الأقدار أن يحاط وهو بمدرسة القضاء الشرعي بمجموعة من الطلاب والأساتذة والزملاء لكل منهم ثقافته المتميزة واتجاهه الفكري؛ فكان يجلس مع بعضهم في المقاهي التي كانت بمثابة نوادٍ وصالونات أدبية في ذلك الوقت يتناقشون، واعتبرها أحمد أمين مدرسة يكون فيها الطالب أستاذا، والأستاذ طالبا، مدرسة تفتحت فيها النفوس للاستفادة من تنوع المواهب.

وكان تأثير عاطف بركات فيه كبيرا؛ إذ تعلم منه العدل والحزم والثبات على الموقف، كان يعلمه في كل شيء في الدين والقضاء وفي تجارب الناس والسياسة، حتى إنه أُقصي عن مدرسة القضاء الشرعي بسبب وفائه لأستاذه بعدما قضى بها 15 عاما نال فيها أكثر ثقافته وتجاربه؛ لذلك قال عن تركها: "بكيت عليها كما أبكي على فقد أب أو أم أو أخ شقيق".

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٦٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٦٤