تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في عمان

وبعد مغادرته البلاد قرر المجلس العسكري التابع للفرقة الثانية في الجيش الفرنسي الحكم غيابيًا إعدام خير الدين ومصادرة أملاكه؛ لأنه جاهر بعداء الفرنسيين في جريدته "المفيد" ونعتهم بالغدر والخيانة، ودعا أهل وطنه إلى مقاومتهم، وأشار إلى ذلك في إحدى قصائده بقوله:

نذروا دمي حنقا علي، وفاتهم

ما لم يشأ، ولحكمه التأييد ... الله شاء لي الحياة، وحاولوا

أبهى مثال ... وفي عمان عُيِّن الزركلي مفتشا عامًا للمعارف سنة (1340 هـ= 1921 م)، ثم تولى رئاسة ديوان الحكومة، وفي خلال ذلك انطلق شعره معبرًا عن الأسى والحنين إلى دمشق، مذرفا أغزر الدمع عليها ينوح على دياره فيقول:

أبكي ديارًا خلقت للجمال

صعب المنال ... أبكي تراث العزِّ والعزُّ غال

عن النضال ... أبكي نفوسًا قعدت بالرجال

إلى خيال ... أبكي جلال الملك كيف استحال

والاندثار ... ضاعت بلادي يا زمان الصغار

غير الدمار ... الناس يبنون وما في الديار

والقصيدة تقترب في جوها ونظمها من شعر المهجر في الأسلوب والمعنى والبحور والقوافي.

بين القاهرة والقدس

لم يستمر الزركلي في عمله كثيرا بعمان، فعاد إلى دمشق بعد إيقاف تنفيذ حكم الإعدام عليه، وأخذ عائلته واتجه إلى القاهرة سنة (1342 هـ= 1923 م) وكانت ملتقى الأحرار في العالم العربي وعاصمة الثقافة العربية، وأنشأ بها المطبعة العربية، وطبع بها كتبا كثيرة.

وفي أثناء إقامته بالقاهرة حكم الفرنسيون عليه ثانية بالإعدام سنة (1344 هـ= 1925 م) بعد اشتعال ثورة السوريين على الاحتلال الفرنسي، وكان لهذا النبأ وقع سيئ عليه، فاعتلّت صحته وباع المطبعة، واستجم 3 سنوات بدون عمل، زار خلالها الحجاز مدعوًا من آل سعود الذين آلت إليهم مقاليد الحكم هناك، وتمتّع برعايتهم.

ثم ذهب إلى القدس سنة (1349 هـ= 1930 م) وأصدر مع زميل له جريدة "الحياة اليومية"، لكن الحكومة الإنجليزية عطلتها، واتفق مع أصدقاء آخرين على إصدار جريدة يومية في يافا، وأعد لها مطبعة، لكن الجريدة لم يصدر منها سوى عدد واحد، وأغلقت أبوابها بسبب التحاقه بالعمل الدبلوماسي في الحكومة السعودية.

في العمل الدبلوماسي

عمل الزركلي سنة (1353 هـ= 1934 م) مستشارًا بالوكالة في المفوضية العربية للسعودية بمصر، وكان أحد المندوبين السعوديين في المداولات التي سبقت إنشاء جامعة الدول العربية وفي التوقيع على ميثاقها، ومثّل الحكومة السعودية في عدة مؤتمرات دولية، وانتُدب في سنة (1366 هـ= 1946 م) لإدارة وزارة الخارجية بجدة متناوبا مع الشيخ يوسف ياسين وزير الخارجية بالنيابة، ثم عين وزيرا مفوضا ومندوبا دائما لدى الجامعة العربية في سنة (1371 هـ= 1951 م)، ثم عمل سفيرا للسعودية بالمغرب سنة (1377 هـ=1957 م).

أعماله العلمية

لم تشغله أعماله الدبلوماسية عن الكتابة والتأليف وإن كف عن نظم الشعر، ولم تنقطع صلته بزيارة المكتبات ودور الكتب في أماكن مختلفة من العالم، وأثمرت جهوده عن عدة مؤلفات منها:

- ما رأيت وما سمعت، وهو عن رحلته الأولى من دمشق إلى فلسطين فالحجاز، وطُبع سنة 1923 م.

- عامان في عمان، تناول فيه مذكراته عن عامين قضاهما في مدينة عمان.

- الملك عبد العزيز في ذمة التاريخ.

- صفحة مجهولة من تاريخ سوريا في العهد الفيصلي.

الأعلام

غير أن أهم إنتاجه هو كتابه الفذ "الأعلام"، وهو يعد من أعظم الكتب العربية التي ظهرت في القرن الرابع عشر الهجري، ترجم فيه لنحو 13435 علما من القديم والجديد، معتمدا على ما يزيد عن ألف وبضع مئات من المصادر والمراجع المطبوعة والخطية، فضلا عن مئات الصحف والدوريات.

ولم يخرج هذا الكتاب مرة واحدة على الصورة التي عليها الآن، بل مر صاحبه برحلة كفاح طويلة استغرقت معظم حياته، فقد بدأ الإعداد في تأليفه في سن مبكرة من حياته وهو لا يزال صغير السن غض الإهاب، ثم صدرت طبعته الأولى في 3 أجزاء سنة (1346 هـ= 1927 م)، ثم سكت 30 عاما حتى صدرت طبعته الثانية سنة (1377 هـ= 1957 م) بعد مراجعة وتنقيح وإضافات، ثم استدرك على هذه الطبعة بأخرى مزيدة ومنقحة، ثم ظهرت الطبعة الرابعة الكاملة بعد وفاته سنة (1396 هـ= 1976 م).

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٣٠