تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رزقه الله فكرًا عميقًا، وثقافة إسلامية واسعة، ومعرفة رحيبة بالإسلام؛ فأثمر ذلك كتبًا عدة في ميدان الفكر الإسلامي، تُحيي أمة، وتُصلح جيلاً، وتفتح طريقًا، وتربي شبابًا، وتبني عقولاً، وترقِّي فكرًا، وهو حين يكتب أديب مطبوع، ولو انقطع إلى الأدب لبلغ أرفع منازله، ولكان أديبًا من طراز حجة الأدب ونابغة الإسلام "مصطفى صادق الرافعي"، لكنه اختار طريق الدعوة؛ فكان أديبها النابغ.

ووهبه الله فصاحة وبيانًا، يجذب من يجلس إليه، ويأخذ بمجامع القلوب فتهوي إليه، مشدودة بصدق اللهجة، وروعة الإيمان، ووضوح الأفكار، وجلال ما يعرض من قضايا الإسلام؛ فكانت خُطبه ودروسه ملتقىً للفكر ومدرسة للدعوة في أي مكان حلَّ به، و"الغزالي" يملك مشاعر مستمِعِه حين يكون خطيبًا، ويوجِّه عقله حين يكون كاتبًا؛ فهو يخطب كما يكتب عذوبة ورشاقة، وخُطَبه قِطعٌ من روائع الأدب.

و"الغزالي" رجل إصلاح، عالم بأدواء المجتمع الإسلامي في شتَّى ربوعه، أوْقف حياته على كشف العلل، ومحاربة البدع وأوجه الفساد في لغة واضحة لا غموض فيها ولا التواء، يجهر بما يعتقد أنه صواب دون أن يلتفت إلى سخط الحكام أو غضب المحكومين، يحرّكه إيمان راسخ وشجاعة مطبوعة، ونفس مؤمنة.

المولد والنشأة

في قرية "نكلا العنب" التابعة لمحافظة البحيرة بمصر وُلد الشيخ "محمد الغزالي" في (5 من ذي الحجة 1335 هـ = 22 من سبتمبر 1917 م)، ونشأ في أسرة كريمة، وتربّى في بيئة مؤمنة؛ فحفظ القرآن، وقرأ الحديث في منزل والده، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي، وظل به حتى حصل على الثانوية الأزهرية، ثم انتقل إلى القاهرة سنة (1356 هـ = 1937 م) والتحق بكلية أصول الدين، وفي أثناء دراسته بالقاهرة اتصل بالإمام "حسن البنا"، وتوثقت علاقته به، وأصبح من المقرَّبين إليه، حتى إن الإمام "البنا" طلب منه أن يكتب في مجلة (الإخوان المسلمين)؛ لما عهد فيه من الثقافة والبيان، فظهر أول مقال له وهو طالب في السنة الثالثة بالكلية، وكان "البنا" لا يفتأ يشجعه على مواصلة الكتابة حتى تخرَّج سنة (1360 هـ = 1941 م) ثم تخصص في الدعوة، وحصل على درجة (العالمية) سنة (1362 هـ = 1943 م)، وبدأ رحلتَه في الدعوة في مساجد القاهرة.

في ميدان الدعوة والفكر

كان الميدان الذي خُلق له الشيخ "الغزالي" هو مجال الدعوة إلى الله على بصيرة ووعي، مستعينًا بقلمه ولسانه؛ فكان له باب ثابت في مجلة (الإخوان المسلمين) تحت عنوان (خواطر حيَّة) جلَّى قلمه فيها عن قضايا الإسلام ومشكلات المسلمين المعاصرة، وقاد حملات صادقة ضد الظلم الاجتماعي وتفاوت الطبقات وتمتُّع أقلية بالخيرات في الوقت الذي يُعاني السواد الأعظم من شظف العيش.

ثم لم يلبث أن ظهر أول مؤلفات الشيخ "الغزالي" بعنوان (الإسلام والأوضاع الاقتصادية) سنة (1367 هـ = 1947 م) أبان فيه أن للإسلام من الفكر الاقتصادي ما يدفع إلى الثروة والنماء والتكافل الاجتماعي بين الطبقات، ثم أتبع هذا الكتاب بآخر تحت عنوان (الإسلام والمناهج الاشتراكية)، مكملاً الحلقة الأولى في ميدان الإصلاح الاقتصادي، شارحًا ما يراد بالتأمين الاجتماعي، وتوزيع الملكيات على السنن الصحيحة، وموضع الفرد من الأمة، ومسئولية الأمة عن الفرد، ثم لم يلبث أن أصدر كتابه الثالث (الإسلام المفترى عليه بين الشيوعيين والرأسماليين).

والكتب الثلاثة تبين في جلاء جنوح الشيخ إلى الإصلاح في هذه الفترة المبكرة، ووُلُوجِه ميادين الكتابة- التي كانت جديدة تمامًا على المشتغلين بالدعوة والفكر الإسلامي-، وطرْقه سُبلاً لم يعهدها الناس من قبله، وكان همُّ معظم المشتغلين بالوعظ والإرشاد قبلَه الاقتصار على محارَبَة البِدَع والمنكرات.

في المعتقل

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٢٣