ظل الشيخ يعمل في مجال الدعوة حتى ذاعت شهرته بين الناس لصدقه وإخلاصه وفصاحته وبلاغته، حتى هبّت على جماعة (الإخوان المسلمين) رياح سوداء؛ فصدر قرار بحلها في (صَفَر 1368 هـ = ديسمبر 1948 م)، ومصادرة أملاكها والتنكيل بأعضائها، واعتقال عدد كبير من المنضمِّين إليها، وانتهى الحال باغتيال مؤسس الجماعة تحت بصر الحكومة وبتأييدها، وكان الشيخ "الغزالي" واحدًا ممن امتدت إليهم يدُ البطش والطغيان، فأُودع معتقل الطور مع كثير من إخوانه، وظل به حتى خرج من المعتقل في سنة (1369 هـ = 1949 م) ليواصل عمله، وهو أكثر حماسًا للدعوة، وأشد صلابةً في الدفاع عن الإسلام وبيان حقائقه.
ولم ينقطع قلمه عن كتابة المقالات وتأليف الكتب، وإلقاء الخطب والمحاضرات، وكان من ثمرة هذا الجهد الدؤوب أن صدرت له جملة من الكتب كان لها شأنها في عالم الفكر مثل: (الإسلام والاستبداد السياسي)، الذي انتصر فيه للحرية وترسيخ مبدأ الشورى، وعدَّها فريضةً لا فضيلة، وملزِمة لا مُعْلِمة، وهاجم الاستبداد والظلم وتقييد الحريات، ثم ظهرت له تأملات في: الدين والحياة، وعقيدة المسلم، وخلق المسلم.
من هنا نعلم
وفي هذه الفترة ظهر كتاب للأستاذ "خالد محمد خالد" بعنوان "من هنا نبدأ"، زعم فيه أن الإسلام دين لا دولة، ولا صلة له بأصول الحكم وأمور الدنيا، وقد أحدث الكتاب ضجةً هائلة وصخبًا واسعًا على صفحات الجرائد، وهلَّل له الكارهون للإسلام، وأثنَوا على مؤلِفه، وقد تصدى "الغزالي" لصديقه "خالد محمد خالد"، وفنَّد دعاوى كتابه في سلسلة مقالات، جُمعت بعد ذلك في كتاب تحت عنوان (من هنا نعلم).
ويقتضي الإنصاف أن نذكر أن الأستاذ "خالد محمد خالد" رجع عن كل سطر قاله في كتابه (من هنا نبدأ)، وألّف كتابًا آخر تحت عنوان (دين ودولة)، مضى فيه مع كتاب "الغزالي" في كل حقائقه، ثم ظهر له كتاب (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام)، وقد ألفه على مضض؛ لأنه لا يريد إثارة التوتر بين عنصري الأمة، ولكن ألجأته الظروف إلى تسطيره ردًّا على كتاب أصدره أحد الأقباط، افترى فيه على الإسلام، وقد التزم "الغزالي" الحجة والبرهان في الرد، ولم يلجأ إلى الشدة والتعنيف، وأبان عن سماحة الإسلام في معاملة أهل الكتاب، وتعرض للحروب الصليبية وما جرّته على الشرق الإسلامي من شرور ووَيلات، وما قام به الإسبانيون في القضاء على المسلمين في الأندلس بأبشع الوسائل وأكثرها هولاً دون وازع من خُلق أو ضمير.
"الغزالي" وعبدالناصر
بعد قيام ثورة 1952 م، ونجاح قادتها في إحكام قبضتهم على البلاد، تنكروا لجماعة (الإخوان المسلمين) التي كانت سببًا في نجاح الثورة واستقرارها، ودأبوا على إحداث الفتنة بين صفوفها، ولولا يقظة المرشد الصلب "حسن الهضيبي" وتصديه للفتنة لحدث ما لا تُحمد عقباه، وكان من أثر هذه الفتنة أن شبّ نزاع بين "الغزالي" والإمام المرشد انتهى بفصل "الغزالي" من الجماعة وخروجه من حظيرتها.
وقد تناول "الغزالي" أحداث هذا الخلاف، وراجع نفسه فيها، وأعاد تقدير الموقف، وكتب في الطبعة الجديدة من كتابه (من معالم الحق في كفاحنا الإسلامي الحديث)، وهو الكتاب الذي دوّن فيه "الغزالي" أحداث هذا الخلاف فقال: "لقد اختلفت مع المغفور له الأستاذ "حسن الهضيبي، وكنت حادَّ المشاعر في هذا الخلاف؛ لأنني اعتقدّت أن بعض خصومي أضغنوا صدر الأستاذ "حسن الهضيبي" لينالوا مني، فلما التقيت به- عليه رحمة الله- بعد أن خرج من المعتقل تذاكرنا ما وقع، وتصافَينا، وتنَاسَينا ما كان، واتفقت معه على خدمة الدعوة الإسلامية، وعفا الله عما سلف".
وهذا مما يحسب لـ"الغزالي"، فقد كان كثير المراجعة لما يقول ويكتب، ولا يستنكف أن يؤوب إلى الصواب ما دام قد تبين له، ويعلن عن ذلك في شجاعة نادرة لا نعرفها إلا في الأفذاذ من الرجال.