تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عاد غربال بعد ثلاث سنوات إلى وزارة المعارف مستشارًا فنيا لها، ثم وكيلاً لهذه الوزارة إلى جانب تعيينه أستاذًا غير متفرغ بكلية الآداب سنة (1368 هـ=1949 م)، ثم نقل وكيلاً لوزارة الشئون الاجتماعية لفترة قليلة، وكان خروجه من منصبه في وزارة المعارف بسبب خلافه مع حكومة الوفد حول السياسة التعليمية إذ كان من رأيه ألا يكون التوسع الكمِّي في التعليم على حساب الكيف الذي يخرج الصفوة الممتازة، فلما خرج حزب الوفد من الحكم سنة (1372 هـ=1952 م) عاد شفيق غربال للمرة الثالثة وكيلا لوزارة التعليم، ولبث بها حتى سنة (1374 هـ=1954 م) .. وكان له في أثناء عمله بوزارة المعارف مع غيره من زملائه إسهام كبير في حركة التعريب والتمصير الأولى للمقررات التاريخية.

تأسيس المدرسة التاريخية المصرية

تمكن شفيق غربال بفضل مقدرته العلمية ودقة ملاحظته وقوة تأثيره في طلابه أن تكون له الريادة الفكرية للمدرسة التاريخية المصرية، ووضع لها خطة تقوم على توجيه الاهتمام إلى دراسة التاريخ القومي الحديث، واستحدث دروسًا في تاريخ مصر الحديث السياسي والاقتصادي، وفي تاريخ الشرق الأدنى الحديث، وشجع المتفوقين من طلابه على متابعة الدراسات العليا لنيل درجتي الماجستير والدكتوراة، وفتح أمامهم آفاق البحث في دور الكتب والوثائق.

وفي أثناء ذلك كان الملك فؤاد معنيا بتاريخ أسرته وخاصة تاريخ محمد علي وأبيه إسماعيل، وأمر بتشكيل لجنة سنة (1344 هـ=1925 م) برئاسة الدكتور "حسن باشا نشأت" لجمع ما في القصر الملكي ودار المحفوظات العمومية بالقلعة والدور الحكومية من وثائق تتعلق بأسرة محمد علي وتصنيفها، وترجمة ما كان منها بالتركية إلى العربية.

واستغل الملك فؤاد علاقته الشخصية مع رؤساء الحكومات في أوروبا واستنسخ تقارير قناصلهم في مصر في القرن التاسع عشر، وأمر بوضع كل تلك الوثائق والتقارير والفرمانات داخل مبنى بقصر عابدين أطق عليه "دار الوثائق السرية والمحفوظات التاريخية الملكية" يهدف إلى إتاحة الفرصة لعدد من المؤرخين لكتابة تاريخ أسرته، غير أن الملك فؤاد كان قليل الثقة في المؤرخين المصريين وفي مقدرتهم على كتابة تاريخ مصر الحديث، فاستقدم بعض المؤرخين الأجانب بعد أن هيأ لهم كل الإمكانات ووعدهم بالمكافآت السخية، وقام هؤلاء بوضع عدد كبير من المؤلفات التاريخية التي تتناول تاريخ أسرة محمد علي وفق التوجيه الخاص للملك فؤاد.

ونزل شفيق غربال وتلاميذه إلى ميدان الكتابة في تاريخ مصر الحديث مزودا بذكاء حاد وثقافة واسعة وقدرة فائقة على البحث والتحليل، وتجرد من الهوى، وإخلاص للحقيقة وحدها، وبدأ في توجيه تلاميذه إلى البحث في تاريخ الأمة المصرية والمجتمع المصري، كتاريخ التعليم والصناعة والتجارة والزراعة، ورغَّبهم في دراسة التاريخ العثماني باعتباره مدخلا لدراسة التاريخ المصري الحديث، ووجههم إلى الاهتمام بجمع المادة التاريخية الأصلية من مصادرها الأولى في دور الوثائق بمصر، وبذلك وضع شفيق غربال وتلاميذه الأساس لبناء التاريخ المصري الحديث، ونقل الإشراف على الدراسات التاريخية من يد القصر والأجانب إلى الجامعة.

التلاميذ .. الأثر الباقي

تخرج على يد شفيق غربال عدد من المؤرخين الكبار، كتبوا أطروحاتهم العلمية تحت إشرافه، واحتلوا أماكنهم في الجامعة، وأثروا المكتبة التاريخية بدراساتهم الرصينة، وواصلوا مسيرة أستاذهم في البحث والعلم، وكانوا يفخرون بأنهم درسوا على يد غربال .. ومن أشهر هؤلاء:

- د. أحمد عزت عبد الكريم: وهو أكبر تلامذة شفيق غربال وأكثرهم شهرة، وأشبههم به، نال تحت إشرافه درجة الماجستير وكان موضوع رسالته "تاريخ التعليم في عصر محمد علي"، ثم كان أول من ينال الدكتوراة في التاريخ من طلبة الجامعة سنة (1360 هـ=1941 م) تحت إشراف غربال، وكان موضوع رسالته "تاريخ التعليم منذ أواخر عصر محمد علي إلى أوائل حكم توفيق"، والرسالتان مطبوعتان. وهو يعد مؤسس مدرسة التاريخ الحديث في جامعة عين شمس، وشغل نفسه بالإشراف على أبحاث تلاميذه وتوجيههم، وله الفضل في ترغيبهم في دراسة التاريخ العربي الحديث والمعاصر.

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٢٠