في القاهرة .. العلم والدعوة
أقبل الصواف في القاهر على العلم إقبالا منقطع النظير، ساعده على ذلك قدراته العقلية ونبوغه، فاستطاع أن يختصر سنوات الدارسة إلى النصف، وأن يحصل على شهادة العالمية، ثم تخصص في القضاء في 3 سنوات بدلا من 6 سنوات. وطيرت الصحف خبر نبوغه فكان مضرب المثل في الاجتهاد في تلك الفترة، وأثنى عليه الإمام المراغي شيخ الأزهر ثناء عاطرا، وقال له: يا ولدي لقد فعلت ما يشبه المعجزة.
كانت القاهرة في تلك الفترة عاصمة حية تموج بالأفكار والتيارات السياسية المختلفة، وكان الوافد إليها يجد بغيته من المناهل الثقافية والفكرية المتعددة، وكان النبوغ جزءًا من سمات ذلك العصر، وكان اعتناق الأفكار والمبادئ بدرجة من المثالية والنقاء سمة غالبة في أبناء هذا الجيل. وكانت دعوة الإخوان المسلمين من أبرز الدعوات الرائجة في الساحة المصرية آنذاك، واستطاعت أن تجذب إليها صفوة من شباب مصر والعالم الإسلامي، ومنهم الصواف الذي ساهم في تأسيس قسم الاتصال بالعالم الإسلامي في هذه الجماعة.
العودة وتأسيس إخوان العراق
____عاد الصواف إلى العراق محملا بالعلم الأزهري وفكر وروح الإخوان المسلمين، ورأى أن يبدأ غرس بذور الدعوة من خلال العمل الشعبي في المساجد والجمعيات والخطابة والتدريس.
امتلك الصواف قدرة فائقة على اكتشاف الرجال والتنقيب عن مواهبهم المطمورة وتجليتها للناس. وتجلت تلك الموهبة في اجتذابه علامة العراق الكبير الشيخ أمجد الزهاوى إلى دعوة الإخوان، وكان الزهاوى قاضيا كبيرا وعالما فحلاً بالموصل، فاستطاع الصواف أن ينقله من حياته السابقة التي بلغت الغاية في العزلة بسبب القضاء والعلم إلى الغاية في الاختلاط رغم أنه بلغ في تلك الفترة سن المعاش. وتحدث عن هذه الموهبة الفريدة للصواف الشيخ علي الطنطاوي في كتابه "رجال من التاريخ"، فقال: "كان الشيخ أمجد كنزا مخبوءا فكشفه الصواف، كان كتابا عظيما مخطوطا لا يعرفه الناس فطبعه الصواف ونشره".
اشتغل الصواف مدرسا بكلية الشريعة في مدينة الأعظمية مفضلا التعليم على القضاء، وأنشأ جمعية الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ثم أسس مع الشيخ أمجد جمعية "الأخوة الإسلامية" سنة (صفر 1367 هـ= يناير 1948) التي كانت الاسم الذي تحرك تحته الإخوان في العراق، وأصدر مجلة "الأخوة الإسلامية" التي ظلت تصدر لمدة عامين حتى أغلقتها حكومة "نوري السعيد" في العهد الملكي، وألغت الجمعية.
وأثار توقيع حكومة العراق لمعاهدة "بورتسموث" مع الإنجليز في (4 من ربيع الأول 1367 هـ= 15 من يناير 1948 م) غضبا شعبيا كبيرا، وتصدر الصواف بخطبه النارية حملة المعارضة فتعرض للسجن، وفصل من العمل.
فلسطين القضية والجهاد
كان الصواف عالما مجاهدا، فقد وهبه الله البسطة في العلم والجسم، واحتلت فلسطين صدارة جهاده؛ فعندما دخلت الجيوش العربية فلسطين وتم إعلان قيام إسرائيل في (7 من رجب 1367 هـ= 15 من مايو 1948 م) كان الصواف وإخوان العراق في طليعة المجاهدين بفلسطين؛ فقد خرج على رأس مجموعة من الإخوان العراقيين إلى فلسطين بعدما جهز 3 أفواج بكامل عتادها وسلاحها، وكان يقول: "إن معركة فلسطين هي امتداد لمعارك صلاح الدين بالأمس"، وقد دون قصة هذا الجهاد في كتابه "الإسلام بين الأمس واليوم".
وعندما انتهت حرب 1948 بين العرب واليهود وقامت إسرائيل لم يتوقف جهاد الصواف في نصرة قضية فلسطين، بل خاض جهادًا آخر في ميدان الوعي والثقافة؛ فأسس جمعية "إنقاذ فلسطين" مع طائفة من فضلاء المسلمين، وقد عملت الجمعية على جمع التبرعات وشرح القضية، وإظهار أن هذه القضية هي قضية جميع المسلمين. وعقدت الجمعية في عام 1373 هـ= 1953 م مؤتمر القدس الذي حضره لفيف من العلماء. وانتدب المؤتمر الصواف والزهاوي وعلي الطنطاوي للطواف بالعالم الإسلامي لشرح أبعاد القضية الفلسطينية.