نشأة الإخوان العراقيين
كانت السلطة السياسية في العراق على اختلاف مشاربها في حالة فسخ دائم لكل عقد مع الإسلاميين، وكان حوارها معهم يتم من خلال الاعتماد على أدوات القمع التي تحتكرها الدولة. وكان نصيب الإخوان من هذا القمع كبيرًا؛ إذ تلقى الإخوان في العراق الضربات العنيفة في مرحلة التأسيس، ثم في مرحلة إعادة التأسيس. وكان عنف الدولة يعطي أولوية للتصفية التامة والاستئصال؛ وهو ما أدى إلى تقليص مساحة الحركة التي يعمل فيها الإخوان، فقضي على بعضهم بالتصفية الجسدية، أما البقية الناجية فعرفت طريق الهجرة البعيدة؛ بحثا عن الحرية التي وهبها الله للإنسان وغصبتها السلطة.
واستمرت السلطة السياسية بالعراق في توجيه الضربات المتعاقبة للإسلاميين؛ لتأكيد حالة الرعب التي تحول دون انتشار أفكارهم، وتمنع العامة من الاقتراب منهم أو من أفكارهم، فضلا عن التعتيم التام الذي يدفع الشعوب إلى نسيان رجال الدعوات الصادقة الهادفة.
ورغم أن العراق عرف دعوة الإخوان منذ منتصف الأربعينيات ونمت فيه الدعوة بسرعة فإن الضربات التي تلقاها الإخوان في مرحلة التأسيس كانت تهز تنظيمهم بعنف؛ حيث كانت الضربات السلطوية تستهدف الفكرة ورجالها حتى يذوب الإخوان ويصبحوا أثرًا بعد عين، فمنذ الستينيات لم يرد ذكر للإخوان في تاريخ العراق إلا في حوادث متفرقة اتفقت جميعها في شيء واحد وهو ضربهم من قبل السلطة أثناء محاولتهم لملمة صفوفهم.
وعندما ضعفت قبضة النظام العراقي بعد حرب الخليج الثانية وحوصر خارجيا ووهنت قبضته على بعض المناطق في العراق بدأ الإخوان في المهجر في تجميع صفوفهم، وأعلنوا عودة "الحزب الإسلامي العراقي" للحياة بعد أكثر من 30 عاما من التغييب، تحت رئاسة الدكتور أسامة التكريتي. ومثل الحزب وجودهم السياسي والدعوي. وفي مناطق الأكراد تكونت حركة الاتحاد الإسلامي الكردستاني التي تعبر عن أفكار الإخوان المسلمين عام (1415 هـ= 1994 م) بقيادة صلاح الدين محمد بهاء الدين، والتي تعد التنظيم الثالث في منطقة كردستان بعد حزبي جلال طالباني ومسعود بارزاني، ولها مقعد وزاري في حكومة أربيل بشمال العراق.
ومع زوال نظام صدام حسين بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عاد الإخوان المسلمون للعمل في العراق تحت اسم الحزب الإسلامي العراقي. ويعد العمل الاجتماعي هو ميدانهم الأول في العراق بعد عودتهم؛ في محاولة لاحتضان الناس وتقديم الخدمات لهم والتخفيف عنهم.
الصواف .. نشأة متميزة
ولد الشيخ محمد محمود الصواف بالموصل في (شوال 1333 هـ= 12 أغسطس 1914 م) في أسرة عُرفت بالصلاح، وتعمل بالزراعة والتجارة، وتلقى في صغره تعليمًا في المدارس التابعة للمساجد حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم تلقى مبادئ اللغة والشريعة بحيث تأهل ليلتحق بالمدرسة الفيصلية التي أنشاها العالم الجليل "عبد الله النعمة" المعروف بعلمه وأدبه الراقي، والذي كان له بصمة واضحة في شخصية الصواف.
تعمقت المسحة الروحانية التي تميز بها الصواف منذ الصغر عندما التقى بشيخ الموصل وإمامها الأكبر الشيخ محمد الرضواني؛ فكان يلازمه لسنوات في صلاة الفجر، ويمكث معه في ذكر متواصل حتى تشرق الشمس، ثم ينصرف معه لتحصيل العلم.
وقد خلق هذا الجو الذي نشأ فيه الصواف نقاء وصفاء في نفسه، وكان وقودا لحركته في الحياة؛ إذ تحمل تبعات جساما في حياته لا يطيقها إلا من له روح كبيرة تمتد أجنحتها لتضم الجميع في ظلالها.
وعندما تخرج في المدرسة الفيصلية عام (1355 هـ=1936 م) عمل معلما في بعض المدارس الابتدائية ثم الثانوية، إلا أن روحه وعقله كانا أكبر من أن ينحصرا في إطار المدرسة الضيق؛ ولذلك استقال من عمله، وقصد القاهرة وقلعتها العلمية الأزهر الشريف، والتحق بكلية الشريعة (1363 هـ= 1943 م) وهو في الثلاثين من عمره.