تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و قد منَ الله عليَ بملازمة شيخنا في برامجه الإذاعية، فكان الأب المشفق، و العالم الحنون، و المربي الفاضل، استفدت منه كثيراً، من علمه، و خلقه، و تعامله، و صبره، و جهاده.

فقد كان مدرسةً في ذلك كله.

رأيت فيه سيرة السلف الصالح في الزهد و التواضع و البعد عن زهرة الحياة الدنيا، و في العلم و التعليم، و قضاء حوائج المسلمين، مع ورعٍ و تقى، و عبادةٍ و جهادٍ، فكنت خلال سنوات لُزومي له، تمر أمامي المواقف العظيمة أمامي، فتحفر في قلبي حُبهُ و إجلاله.

صبرٌ في التعلم، و صبر في التعليم، و جهادٌ في التبليغ، و صدقٌ في الوعد، وفاء بالعهد، دقة في استغلال الوقت.

عاش في عصر متلاطم بالفتن، فكان كالطود الشامخ، راسياً لا يتزعزع، ثابتاً على المبدأ و الحق.

تلك صفات العلماء الربانيين، يُجاهدون حتى يأتيهم اليقين مع صبر و احتساب.

و لَكَم قطعتُ طريق القصيم مراراً، و الشوق يحدوني للقاء الشيخ لكي أنهل من معين متدفق، و اتعلم من مدرسة الأخلاق و الفضائل و المكارم. و لأنَ كثير ينعم بسماع صوته و دروسه، و كلماته الناصحة، فلقد كنتُ أنعم برؤية ذلكم المحيا، الذي أسأل الله أن يحرمه على النار، و والدينا و علماءنا و المسلمين أجمعين .. ابتسامةٌ حانيةٌ .. و كلمة طيبةٌ تُنسيني مشاق الطريق، و تهون عليَ درب السفر.

أرى محياه، فأرى البِشرَ و الطلاقة .. و أسمع كلماته فإذا هي البلسم الشافي.

و إذا قرأت عليه الأسئلة، أرى في قسمات وجهه النُصح و الشفقة لأمة محمد صلى الله عليه و سلم.

أرى و أشاهد همَّ العلماء و الربانيين في تبليغ العلم، و أسمع ما يشفي الغليل، و يروي الظمآن، و يُغيث العطشان.

تلك أيامٌ لا تُنسى، و مواقف لا تُطوى من ذاكرتي .. و كم كان هولُ الخبر لما سمعت بمرضه، غير أنني لما رأيت منه الصبر و الاحتساب، و التجلد والرضا بقضاء الله، راح عني كثيرٌ مما كنت أجده من هول المصيبة ..

و في يوم الأربعاء، الخامس عشر من شهر شوال من عام 1421 هـ، ودَّع الشيخ الدنيا، دار التعب و النصب، و أفضي إلى ما قدم.

و أسأله تعالى أن يجعل مثواه الجنة، و أن يرفع درجاته في عليين، و أن يجزيه عن المسلمين خيراً.

كانت وفاته صاعقة و فاجعة لي، كيف و أنا أعدُ نفسي أحد أبنائه، و يعدني كذلك، فكان الخبر بالنسبة إليَّ لا يكاد يُصدق، و لكن مما استفدته من شيخنا: الإيمان بالقضاء و القدر و التسليم و الرضا، فكان ذلك سبباً في تخفيف المصيبة.

و من الموافقات أنه جاءني الخبر و أنا في عنيزة، تلك البلدة الطيبة التي أقدمها دائماً للقاء الشيخ.

فلله الحمد على قضائه و قدره، و لا نقول إلا ما يرضي ربنا تبارك و تعالى، و إنا على فراقك يا أبا عبدالله لمحزنون ..

و بقي في القلب حزنه و كمده، كلما سمعتُ صوته تجددت الأحزان، و دمعت العين، و اعتُصر القلب، أسى على الفراق، فكانت هذه الأسطر تخليداً لمواقف عايشتها مع شيخنا، قد يكون غيري سمع بها أو شاهد مثلها، فالشيخ مدرسة، و لكنها كلمات مكلوم و محزون، يرى من الواجب عليه أن يدوَّن ما رآه و شاهده خلال رحلته مع الشيخ طوال سنوات مضت، لِتكون معالم في الطريق.

و إنه لمن المفيد للأمة دراسة سيرته، و إظهار مكارمه و فضله، ليبقى لعلمائنا مكانتهم، و ليقتدي بهم.

فرحمك الله يا شيخنا رحمة الأبرار، و طبت حياً و ميتاً.

كتبه / أبو خالد عبد الكريم بن صالح المقرن.

سيرة الشيخ ابن عثيمين _ رحمه الله _

اسمه و نسبه:

هو الإمام العلامة المفسر الفقيه الفرضي الأصولي الحبر الفهامة، أبو عبدالله محمد بن صالح بن سليمان بن عبدالرحمن بن عثيمين، و ينتهي نسبه إلى الوهبة، من تميم القبيلة المعروفة.

مولده:

ولد _ رحمه الله _ في عنيزة، في 27 من شهر رمضان عام 1347 هـ.

نشأته:

قرأ القرآن الكريم على جده من جهة أمه عبدالرحمن بن سليمان آل دامغ، فحفظ القرآن عن ظهر قلب، و قد آتاه الله ذكاء و حرصاً واضحاً، مما كان له أثرٌ كبيرٌ في تحصيله للعلم.

بعض المعاصرين · الصفحة ٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ٢٠٩