المشكلة الثانية في السودان هي مشكلة المعارضة السودانية والمشكلة أن الغالب على أحزاب المعارضة أنها لا تريد الحكم الإسلامي وأن صرح بعضهم أنه لا يوجد لديهم مانع من أن يكون البشير رئيساً، فهم يقصدون لفترة معينة فإذا صارت الانتخابات فقد لا ينجح إسلامي، وإذا كان هناك اتفاقاً فهم لا يريدون الحكم إسلامياً، حتى غلبت المعارضة على غالب الصحف وهذه مشكلة الديموقراطية في البلدان الفقيرة، فلو صارت انتخابات مولتها جهات أخرى، وإذا فُسح لوسائل الإعلام تموّلها جهات أخرى أيضاً وما قصة لبنان عنا ببعيدة. فنسأل الله أن يتفق الناس ولو على أحد أدنى من تطبيق الشريعة، طبعاً والبشير يؤكد في تصريحاته على تطبيق الشريعة وهذا جيد، هاتان هي العقبتان الكبيرتان في السودان، أما المشكلة الاقتصادية في السودان فمتعلقة بمشكلة الجنوب من ناحية وبزيادة الإنتاج في السودان من ناحية أخرى ومما يُحمد لهذه الحكومة أنها أفسحت المجال في الجانب الاقتصادي كثيراً، لكن تأتي حرب الجنوب كعقبة كبيرة ففي تقدير الأمريكان أن حرب الجنوب تكلف السودان كل يوم مليون دولار، وقد جاء البترول فخفف من الضرر نوعاً ما، فإذا حلت مشكلة الجنوب وزادت عملية الإنتاج لانتهت المشكلة الاقتصادية في السودان إن شاء الله، وإن كان ستواجهه مشكلة أخرى إذا تحسن حاله إذ أن السودان ولو كان فقيراً فهو أحسن حالاً من الدول التي تجاوره، وهذا جعل الكثير من سكان هذه الدول ينتقلون إلى السودان فإذا تحسن حاله فلا شك أن طبيعته ستتغير فسيقل العنصر العربي فيه ويقل مستوى التدين والحل هو أن تفتح الهجرة إلى السودان من مصر، فهذا سيكون أفضل للبلدين بلا شك.
العصر: بما أن الشيء بالشيء يذكر نسألكم عن رجل عرفتموه، وعلمتم عيوبه في وقت مبكر، وانتقدتموه مبينين أخطاءه هذا هو الدكتور حسن الترابي ماذا لدى الشيخ جعفر عن هذا الرجل؟
الشيخ جعفر إدريس: ذهبت والترابي إلى نفس المدرسة وكنا نسكن في نفس الداخلية (سكن الطلاب)، وكان الترابي أمامي في الدراسة سنتين، ولم يكن معنا في الجماعة آنذاك، وعندما كنت في السنة الأولى بالجامعة سمعنا أنه انضم إلى الجماعة وفرحنا بذلك، ثم عرفته عن قرب وصحبته في الجامعة، لكني بدأت ألمس فيه عيوباً في الفكر والسلوك، والبعض يظن أن دافع نقدي له هوا لتنافس، ولكني لاحظت عليه ذلك وأنا مسؤول عن التنظيم ولم يكن هو آنذاك شيئاً يذكر، وانتقدته وقتها ولم تكن بيننا أي منافسة. ورغم تحفظاتي التي في قلبي عليه فقد تعاونت معه بعد أن صار مسؤولاً وكنت اسمع منه فلتات فمثلاً في وقت مبكر جداً كان يكره أهل السنة ويشمئز من ذكر البخاري وابن كثير وغيرهما، وليس عنده توقير للصحابة وقد قلت لبعض إخواننا الذين إذا انتقد أحداً رماه بالاعتزال، قلت لهم لا تظلموا المعتزلة فهؤلاء كانوا عبّاداً ومخلصين، وكان ما يدعون إليه فكراً بالنسبة لهم وكان دافعهم إليه حسناً وهو اعتقاد تنزيه الله سبحانه فكثير ممن يسمّى اليوم معتزلة لو رآهم المعتزلة لتبرّأوا منهم، أو يقول لك أشعري حتى الأشاعرة لم يكونوا كذلك، لذا أقول أن هؤلاء أقرب إلى ما يسمّى بالزنادقة أو الفلاسفة الذين لم يكونوا متدينين ولا أقول عقلانيين فقد تتبعت آيات القرآن الكريم التي ورد فيها ذكر العقل فما وجدت الله سبحانه يذم فيها العقل بل يجعل الله العقل مع الإيمان وعدم العقل مع الكفر، وأهل الأهواء يختلفون فمنهم صاحب هوى في الاعتقاد ومنهم في السلوك، ومنهم من جمع بين الأمرين.
العصر: هل أحدث هذا النقد تأثيراً في الصف بمعنى إيجاد نوع من اليقظة والاستدراك أم كانت هنا ك مجاراة ومسايرة للترابي؟
الشيخ جعفر إدريس: نعم كانت هناك مجاراة لما يقوله الترابي، نحن استطعنا إقناع البعض، لكن لم يكن نقدنا تيّاراً لأنهم أشاعوا أن هذه مسائل شخصية وأنها من قبيل منافسة الأقران، والناس مهيئون لقبول أمثال هذه الحجج البسيطة فهم يميلون إلى ما يعرفون، والمشكلة أن الرجل يتنكّر وأنا لا ألوم الناس لأني لا أميل إلى أن يسرع الناس إلى قبول كل اتهام يتهم به شخص من الناس خصوصاً إذا كان هذا الشخص ينكر وقد كان الترابي رجلاً منافقاً يقول في جلساته الخاصة خلاف ما يعلنه للناس ولا يزال حتى اليوم وما كان يقوله في جلساته آنذاك أقل بكثير مما يقوله الآن، فهو مسكين عقله يقبل الشبهات (كل ما خالطه أثّر فيه) كما يعبر ابن القيم.