تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

العصر: خاصة في غياب الرادع الداخلي داخل الصف يزداد الترويج لأمثال هؤلاء.

الشيخ جعفر إدريس: نعم، وليس ذلك فقط فقد صار محبوباً مرغوباً لذلك صارت فيه صفات ما كانت لتظهر فيه قديماً معنا نحن زملاؤه فقد صار يحب القهر، دكتاتورياً متسلّطاً بل حتى لما ظهر لبعض الناس انحرافه لم يجاهروه بالنقد وبعضهم يرى أنه لا يتكلم في ذلك حفاظاً على الصف حسب زعمهم.

العصر: ألا ترى أنه كان من الأولى أن تفنّد مثل هذه الشبهات والانحرافات في بداية المسيرة، فهل يتأسف الشيخ جعفر أنه لم يكتب شيئاً عن ذلك؟

الشيخ جعفر إدريس: نعم أتأسّف لذلك واعتقد أنّ من أخطائي الكبيرة أنني لم أكتب شيئاً في ذلك وظننت أن عندي ثقة بالناس وأتباع الحركة، خاصة أننا انتقدنا وبيَّنا لهم وأنه شخص واحد ولن يؤثر لكن كان ظني خطأ ولم يقتصر خطأي على عدم الكتابة بل ومنعت غيري من أن يكتب، ومن هؤلاء الشيخ سفر الحوالي وكان مهتم بذلك في وقت مبكر جداً، وجمع أشياء في هذا الصدد، لكن لعل عذري أن الوقت آنذاك كان وقت انتخابات وكان الترابي هو زعيم التيار الإسلامي ومنافسوه ليسوا من الإسلاميين، فخشيت أن يؤثر ذلك على الناس وأظن أن السبب في هذا هو الفكر التنظيمي إذ يرى الكتابة في هذا تشق الصف مع أن بيان الحق أهم من ذلك بالطّبع.

عصارة التجربة

العصر: بعد هذا العمر المديد -بارك الله في عمر شيخنا- هلاَّ استعرض لنا الشيخ جعفر خلاصة التجربة الطويلة يفيد بها أجيالاً تنشد إرشاد أصحاب التجارب والخبرات أمثالكم؟

الشيخ جعفر إدريس: أولاً كما قلت لك أنّنا بحاجة إلى أسلمة الفكر التنظيمي.

ثانيا: أنّني وجدت أنّ من أكبر مشكلات الحركة الإسلامية غياب قيادة العلماء لها، لذلك أقول دائماً ويستغرب البعض من قولي ذلك: أنني استفدت من الشيخ ابن باز الكثير حتى في الجانب السياسي وموقفي من الحكومات ما لم استفده من كتب الحركة الإسلامية، وأقول لك كيف؟

فقد تأتي الفائدة أثناء شرح لحديث ما، وصرت أكثر مرونة، فمثلا أذكر أنه مرة أثناء حديثه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: أن من أكبر وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاتصال بالحكومات ولو كانت كافرة، فاستغرب الناس من ذلك، فضرب لهم مثلا أنك إذا أردت إدخال مادة الدين الإسلامي في المدارس في بريطانيا، كيف سيتم لك ذلك إلا بالاتصال بالحكومة هناك، واستفدت منه أن الإنسان لا يكون معارضاً طوال الوقت، بل يقف مع الشيء الحسن ولو كانت الحكومة منحرفة وهذا يلين قلب الحكام ويشعرهم أن المعارضة ليست همك دائماً.

ثالثا: وهذا شيء يحزن النفس ويحز في القلب، أنني وجدت الجماعات الإسلامية كلها تقريباً ابتلت بالتدهور في الأخلاق، فحسن الخلق شيء تتوقعه من العامي فضلاً عمّن يمثل الإسلام، وسوء الخلق داء انتشر وللأسف في أوساط الجماعات الإسلامية فتجد منهم من يكذب ويغش بكل سهولة، وغياب الإنصاف عند بعضهم فهذا شيء لا بد من معالجته وتذكير الناس بأنّ العمل الإسلامي عبادة أساسها الخلق، وأن الهدف منه إنقاذ النفس والمجتمع، وليس تغيير المجتمع فحسب، وأن مبدأ الشيوعية في أن المعتبر في الأخلاق هو ما ساعد على تقدم الحزب بغض النظر عن سوءه شيء مرفوض في الإسلام.

رابعا: ضرورة الطاعة مع النقد، فالجماعات تهتم بالطاعة وتغفل النقد، والطاعة ضرورة فيما وافق الدين لأجل التنظيم ,لكنّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي أمر بالطاعة بايعه الصحابة أيضاً على قول الحق لا يخشون في ذلك لومة لائم.

إذاً ففي غياب النقد تحضر الديكتاتورية والتسلّط. وأن يكون هناك تسامح بين الحركات اٌلإٌسلامية وإلا لكانت هذه الحركات كالشيوعية فالشيوعية تضيق بالمفكرين، وقد قارن أحد الغربيين بينها وبين الكاثوليكية إذ خرج منها كثير من المفكرين لغياب التسامح، وقد ابتلت بعض الحركات الإسلامية بهذا كما حصل عندنا في السودان في عهد الترابي حيث اعتبرت الحركة هي الترابي مما جعل الكثيرين يخرجون وإن لم يحدثوا ضجة كما فعلت أنا.

بعض المعاصرين · الصفحة ١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ١٥٤