العصر: ألا ترون أنّ الحركة الإسلامية سواء في السودان أو غيرها تعاني من أزمة في التصور لطبيعة الحكم الإسلامي، وهذه من جملة الانتقادات التي توجه إلى الحركة الإسلامية، أن ليس عندها تصور واضح للحكم الإسلامي؟
الشيخ جعفر إدريس: هذا صحيح، وقد قلته مراراً لإخواننا في السودان وكيف نتصور الحكم إذا قاد عسكري انقلاباً، لا شك أنه سيحكم كما يحكم عساكره. طبعاً الرجل الذي يحكم في السودان في ذاته متدين، لكن هذا لا يكفي، وعموماً لا أعتبر العيب فيه -أي الذي يحكم- إذ أن الغالب في الحاكم إذا استثنينا عصور الخلافة الراشدة، أن الحاكم لا يكون العالم المفكر، إذاً فالقصور يرجع إلى أدبيات الحركة الإسلامية التي غاب عنها سر هذا الجانب المهم وهذا عجيب إذ كيف نطالب بالحكم الإسلامي ونحن نفتقد إلى تصور صحيح عنه.
فلم تنتج الحركة الإسلامية -وللأسف- شيئاً واضحاً عن الحكم الإسلامي. لذلك كان الذي حدث في السودان غريباً إلى درجة أصيب فيها الناس بصدمة كبيرة، إذا كانوا يتصورون أن الحكم سيكون أفضل مماهو عليه بكثير، فقد حدثت أمور في بداية الحكم الأخير، لم أكن أظن أن الترابي نفسه يمكن أن يعملها، ذلك أن الترابي ليس من أهل الحماس والعاطفة، بالرغم أن الذي كان يبدو للناس هو أن الترابي أكبر فرد في الحكم، وأنه أكبر متعصب ومتزمت في العالم وليس عند الرجل من هذا مقدار ذرَّة، فكان يقول الترابي نحن لا نؤمن بالحدود، وأنا أعلم أنه يعترف بها، وهذا جعل الذين حول السودان يتوجّسون من أمثال هذه التصريحات، ثم تلك التهديدات التي ملئوا بها العالم، تجدها في التصريحات والأناشيد، وإمكانياتهم معروفة، ومن الأخطاء أيضاً معاملة الناس بقسوة، وقد عذّب الكثير في بداية الانقلاب، أعرف أحدهم كان شيوعياً ثم تاب وحج، رأى أحد إخواننا آثار السياط على ظهره، بالرغم من كبر سنه، وبعض الناس قتلوا في قضايا لا تستوجب ذلك, فمثلاً قتل أحدهم لأنهم وجدوا عنده دولارات، واستمر هذا الأسلوب إلى مدة طويلة بعد الانقلاب، وقد قال لي أحد الأخوة الذين تحولوا إلى ناقدين للحكم الآن، أن التّحسين الذي حدث بعد ذلك لم يكن بجهودنا بل كان أثر ضغط من الغرب، وما أظن الآن أن تعود ممارسة هذه الأخطاء، ربما لوجود استدراك والحكومة ليست لديها القوة التي تمكنها من فعل ذلك، زد إلى ذلك النقد الداخلي حتى من أبناء الحركة نفسها.
وهناك مشكلتان في السودان:
أولاً: مشكلة الجنوب، ووقوف الغرب بجانب المتمردين وأول من يدعمهم أمريكا، إذ لا يتصور أن يمكث كل هذه المدة الطويلة دون دعم منهم، وهذه الحرب جريمة إنسانية شنيعة فقد وصل ضحاياها في تقديرات الغربيين إلى مليونين من البشر، وهذه الحرب ليست سودانية وقد تحدّث أحدهم -متسائلاً- حرب من هذه؟، ولو كان الضحايا هؤلاء من الأمريكان لتوقّفت قديماً، لكنّهم كما ترى من هذا الشعب السوداني.
ثم أن الدعايات التي تقال عن السودان اليوم فيها قدر كبير من الكذب كمسألة الرق مثلاً، فما سمعت عن الرق في بلدنا الاّمن مصادر الغربيين هؤلاء. وأكبر دليل على كذب هذه الفرية أن الجنوبيين اليوم أكثر من نصفهم يعيش في الشمال، فلم يذهبوا إلى بلد آخر، بل فضلوا الذهاب إلى أوساط إخوانهم في الشمال السوداني، وهذه الهجرة بدأت تزعج الكثير في الغرب، إذ أنهم يعلمون أن هؤلاء المهاجرين مع مرور الوقت سيتعلمون اللغة العربية ويصير أبناؤهم إن شاء الله مسلمين بعد ذلك. ومثل هذه الكذبة تهمة الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان، وأقول لك أن اليوم في السودان وفي ظل الحكم العسكري حرية لا توجد في أي بلد عربي آخر، فالرئيس يُنتقد على صفحات الجرائد، ولا تنسى أن حقوق الإنسان اليوم ينظر لها بالمنظار الغربي، فقد قامت الدنيا لقرار أصدره والي الخرطوم، إذ منع فيه النساء من العمل في محطات الوقود والفنادق وهذا شيء جيد لكنه بمنظور الغرب ليس كذلك.