تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشيخ جعفر إدريس: أنا ذهبت إلى الغرب في عام 1962 م لإكمال الدراسات العليا بعد انتهائي من الدراسة في جامعة الخرطوم، وكنت في بعثة رسمية لنيل الدكتوراه، لكن نحن صلتنا بالغرب لم تبدأ منذ ذهابنا إليه، بل بدأت في الثانوية والجامعة حيث كان التدريس باللغة الإنجليزية، وكانت جامعة الخرطوم تبدأ الدراسة بها في السنة الأولى بأربع مواد ثم الثانية بثلاث ثم الثالثة باثنتين ثم الرابعة بمادة واحدة، يسمونها الدراسة الخاصة، فتعرضنا للفكر الغربي في آخر سنتين حيث درسنا الاقتصاد والفلسفة في الثالثة ثم الفلسفة في الرابعة، وكل هذا فكر غربي، وأرى أنه لا بد وقد أثر في فكرنا سلباً أو إيجابا.

ومن الأمور التي تحزنني أن معالجة القضايا والأفكار في الكتب الغربية أشمل وأعمق من كتب عالمنا العربي بكثير فتجد البعض يكتب عن الماركسية كلاماً لو رآه ماركس لضحك، إن الكثير من نقد الماركسية عرفناه من كتب الغربيين، وهذه من الأشياء التي استفدتها من الشيخ ابن تيمية إذ يقول: أنه يستفاد من نقد أ هل الأهواء لبعضهم البعض لأن كل منهم يذكر أخطاء الآخر لكني أقول أن هذه الكتب هي من وجهة نظر الكاتب، فما كل ما يذكره الرأسمالي عن الشيوعية صحيح وما كل ما يقوله الشيوعي عن الرأسمالية صحيح أيضاً، فمثلاً: يقول الغربي أنّ الملكية الشخصية شيءفطري, يعني إذا أنت لم تملك شيئاً تعد منحرفاً فطرياً!! وهذا ليس في الإسلام أبداً، وقد راجعت كتاب الله الكريم فلم أجده يمدح الشخص لأنّه يملك بل يمدح الإنفاق مثل قوله تعالى:

"ويل لكل همزة لمزة*الذي جمع مالاً وعدده*يحسب أن ماله أخلده"

وبعض نقد الشيوعيين للرأسمالية صحيح جداً فمثلاً الانتخابات يقولون نعم هناك انتخابات لكنها شكلية لأن الفرصة فيها للأغنياء أو لمن يسنده الأغنياء، ولا ينجح الفرد غير الغني في ذاته أو غير المسنود من الأغنياء، وهذا عيب كبير في مسالة الديموقراطية لا بد أن يعدَّل إذا أراد الناس الاستفادة من تجربة الغرب ثم الكتب هذه التي تسمى (Public Science)? كان احسن من يهتم بها الاتحاد السوفيتي واستفدنا من كتبهم التي كتبوها في هذا المجال، وهم يخلطونها أحياناً بفلسفتهم، وتوجد بالغرب بعض الكتب المهتمة بهذه الناحية لكنها ليست بمستوى تلك.

العصر: ماذا أضاف الشيخ جعفر خلال مكوثه في الغرب إلى رصيده الدعوي والمعرفي؟

الشيخ جعفر إدريس: استفدت من إقامتي في الغرب أنّك ترى من عيوب الغرب بالمعاينة مالا يمكنك إدراكه عن طريق الكتب، فأنت هنا تتابع الأخبار والتحليلات فتكسب شيئاً جديداً، لذلك من الأشياء التي أنوي إن شاء الله الحديث عنها في السودان هي الديموقراطية، فقد رأيت الناس يتكلمون عن الديموقراطية كلاماً مثالياً، وكأن آثار الديموقراطية من انتخابات وغيرها هي التي ستحل لهم مشاكلهم، لذا سأقول لهؤلاء أن الناس الذين يطبقون الديموقراطية في مجتمعاتهم هم أكثر الناس نقداً لها، فمن أحسن الكتب التي تنقد الديموقراطية بشكل واسع وعميق ما كتبه الغربيون أنفسهم، ولأحد مشاهير الصحفيين وأظن أسمه "ليبمان" قول عجيب فهو يقول: أن الديموقراطية تصل بالإنسان إلى الحكم، لكن لا تقول له ماذا يفعل بعد أن يصل" وهذا عيب كبير، لذلك قلت لأحد إخواننا أن هذا عكس ما يعتقده أهل السنة، فالديموقراطية يهمها طريقة الوصول إلى الحكم ولا تهتم بما بعد ذلك، أما أهل السنة فبعد الوصول إلى الحكم عندهم أهم من طريقة الوصول، فجوزوا إمارة المتغلَّب ما دام سيطبق الكتاب والسنة ويقيم الشريعة، وهناك كاتب روسي أسمه سورجنستين جاء إلى الغرب وإلى أمريكا وانتقد الرأسمالية، وكان من ضمن ما يقوله عن الديموقراطية أنه قال:

أن الديموقراطية كانت مفيدة عند أن كانت مرتبطة بالدين، فالديموقراطية تعطيك حرية القول والدين يرشدك إلى ما عليك فعله، لكن عندما ذهب الدين صارت الحرية هي حرية" فعل الشر!! " وقد قرأت قريباً في ملحق عن الكتب تنشره الواشنطن بوست، عن صدور كتاب يتحدث فيه الكاتب عن هذه المشكلة التي تكلم عنها الشيوعيون قديماً لكن بأدلة حديثة، وبيّن عيوب الديموقراطية مضيفاً أن الثروة في هذه المجتمعات تتركز بأيدي جزء بسيط من أفرادها وضرب مثلا بيل غيتس إذ قال أن ثروته تساوي ثروة بضع وأربعين بالمائة من المجتمع الأمريكي.

بعض المعاصرين · الصفحة ١٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بعض المعاصرينص ١٥٠