العصر: بخصوص الحركة الفكرية في ذلك الوقت في السودان هل كانت امتداداً للحركة في مصر، أم أنها بنتُ الواقع السوداني؟
الشيخ جعفر إدريس: في البداية لا ... .. بل كانت نابعة من الواقع السوداني لكن فيما بعدصارت -نفس هذه الحركة- هي الأخوان المسلمين ,وكان لها بعض ما يميّزها عن الإخوان المسلمين في مصر ... فبعض الذين أسّسوها كانوا من الشيوعيين الذين تحولوا عن الشيوعية، لمّا رأوها فكراً إلحادياً، وكان من أولئك الذين أثروا في الحركة تأثيراً بالغاً رجل اسمه "ماجد الكرَّاح" وكان مثقفاً ممتازاً.
وكنّا إلى جانب قراءتنا لكتب الإخوان المسلمين نحرص على قراءة كتب إخواننا الباكستانيين كالشيخ المودودي وكانت قراءتنا لهم في الإنجليزية إذ لم تظهر كتبهم مترجمة بعد -في تلك المرحلة- إلى العربية.
العصر: هل تتذكرون بعض تلك الكتب التي قرأتموها للشيخ المودودي؟
الشيخ جعفر إدريس: نعم كان منها الكتاب الذي سمّي "منهاج الانقلاب الإسلامي" وقد قرأته أكثر من مرة وقتها، ولكني وجدته بعد ذلك أقرب إلى المثالية من الواقع، ثم قرأت الكتيبات التي كتبها عن الاقتصاد وعن السياسة لكني أتذكر أن من الكتب الغريبة التي أعجبت بها جداً كتاب صغير له اسمه"الدين القيم" وقد وجدت فيه ضالّتي كوني أميل إلى الأسلوب الذي يحوي الحجة والدليل، وكان يبين في هذا الكتاب الحجج العقلية أن هذا الدين هو من عند الله سبحانه وتعالى.
العصر: طبعاً كان مثل هذا الكتاب يشكل مرتكزاً أساسيا - بالنسبة لكم - في الصراع مع الشيوعية وقتها!!.
الشيخ جعفر إدريس: نعم بالطبع فهذا شيء مهم جداً في مثل هذا الصراع. ثم قرأت بعد ذلك للشيخ أبي الحسن الندوي، إذ قرأنا في مرحلة الثانوية "ماذا حصل للعالم بانحطاط المسلمين" واستفدنا منه الشيء الكثير، كما كنا نقرأ في الثقافة العامة فنقرأ الكتب الإنجليزية المتعددة الجوانب، والقصص وكان هذا طبيعياً آنذاك إذ كانت الدراسة في الثانوية باللغة الإنجليزية ما عدا مادتي اللغة العربية والدين، وكان معظم من يدرسنا هم من الإنجليز.
لذا كان انضمامي إلى الحركة التي صارت فيما بعد حركة الإخوان المسلمين من الأشياء التي أثّرت في حياتي، حتى أني بعد أن رجعت عند أول إجازة لي إلى أهلي، لوحظ عليّ تغييراً كبيراً، وكنت -قبل ذلك- شخصاً انعزالياً منذ مرحلة الطفولة فلا أشارك الأطفال لعبهم، إلى درجة جعلت الوالدة تظن أني مصاب بشيء ما ...
العصر: طبعاً لم تكن هذه الانعزالية توجّهاً فكرياً بل كانت شيئاً شخصياً ... أليس كذلك؟
الشيخ جعفر إدريس: نعم كان شيئاً لا يمت إلى الفكر بصلة، وهذه الانعزالية تورث حدة في التعامل مع الآخرين، فكان مما غير فيَّ أن الناس في المنطقة التي ذهبنا إليها للالتحاق بالثانوية كانوا متعاطفين جداً، بينما كان أهل منطقتنا مشهورين بقلة العاطفة!!. لذا كان الجو بالنسبة لنا هناك جديداً، حتى أننا كنا نستغرب العناق مثلاً، بينما كان لديهم شيئاً عادياً، وكان الناس هناك ينتقدونك إذا رأوا شيئاً لم يعجبهم، ويشاركونك أطراف الحديث، مما جعلني اجتماعيا بعض الشيء، ومما يستحسن أن أذكره هنا أن من أحسن الأساليب العجيبة لدى الشيخ البنّا رحمه الله ما يسمى عند الإخوان "بالأسرة"، حيث كنا نقسم إخواننا إلى حلقات صغيرة مفردها يسمى "أسرة"، وكانت هذه الطريقة تعمل في الناس عمل السحر، فالفرد مع المجموعة ينجز ما لا يستطيع فعله بمفرده، زد على ذلك أنها تقوي الرابطة الأخوية، وتبث روح التعاون بين المجموعة.
أعود فأقول أن هذه الفترة هي التي عرفت فيها سيد قطب رحمه الله وكنا آنذاك لا أقول نقرأ كتب سيد قطب فحسب بل أقول كنا نلتهمها التهاماً، وخصوصاً الكتب التي فيها نقد للشيوعية وهجوم على العلمانية، ولا أزال أتذكر أمثال: كتاب "معركة الإسلام والرأسمالية" و "الإسلام والسلام العالمي"، و "العدالة الاجتماعية في الإسلام" وقد كانت القضايا المطروحة في تلك الكتب قضايا ساخنة آنذاك نواجه فيها تحدياً من الشيوعيين وكنا نكاد نحفظ نصوصاً عدة من بعض هذه الكتب.