وما كان يظن أحد أن أمي ستخالف رئيس الطائفة لكنها فعلت ورفضت قوله ذاك فقال لها الطبيب: إما أن تقطع رجله أو يموت فقالت: خلّيه يموت!!! .. يموت برجلين ولا يعيش بواحدة.
فكان من نتائج ذلك أن تأخرت في الالتحاق بالدراسة، لكن هذا التأخير أفادني جداً، إذ جئت إلى الدراسة بعد ذلك بنهم شديد، فأنا ما كنت بدأت أصلاً، وعندما بدأت الدراسة كان زملائي في السنة الرابعة، وأنا في السنة الأولى، وكان لي أخ ضمنهم، وكنا قد ذهبنا سويّة إلى المدرسة فقُبل هو ولم أُقبل لصغر سني، فكان أخي هذا يمازحني بعد ذلك فيقول: احمد الله على هذا الحادث فلولاه ما دخلت الجامعة.
وقد كانت المنافسة في الدخول إلى الثانوية كبيرة جدّاً آنذاك. إذ لم يكن في السودان وقتئذ غير ثلاث مدارس ثانوية فقط، فكان الدخول إلى أحدها في غاية الصعوبة. لكني أتيت إلى المدرسة في مرحلة نضج واجتهاد شديد، فكنت أذهب إلى الكتّاب باختياري إذ يوقظني الوالد لصلاة الفجر وأبقى في الكتّاب إلى السادسة، ثم أعود فأستعد للذهاب إلى المدرسة وعند رجوعي منها أذهب إلى الكتّاب مرة أخرى وبعد ذلك أنال شيئاً من الراحة، أعود بعدها إلى الكتّاب عند المغرب.
حلقات المساجد:
بدأت بعد ذلك دروس كان يلقيها رجل سنّي، فكنت أذهب إليها، ومن الرسائل التي بدأت أقرأها مبكراً وأمارس حفظ بعض الأحاديث منها رسالة الأربعين النووية، ثم لما ذهبنا المدرسة المتوسطة كنت أحضر مع الوالد دروساً في السنة كان يلقيها رجل عالم بالسنة, تخرج بالأزهر وكان مشهوراً في بلدنا، يدرّس كتب السنة فقط، وفي هذه الفترة بدأت أقرأ بعض الرسائل الصغيرة لشيخ الإسلام ابن تيميه ....
العصر: أتتذكرون بعض عناوين تلك الرسائل؟
الشيخ جعفر إدريس: ربّما يكون منها العبودية، وأظن أن معظمها فصول كانت تستخرج من بعض مؤلفات شيخ الإسلام يسمونها بأسماء لا أذكرها الآن، وكانت معظم هذه الكتب تأتي من مصر ...
العصر: هل نستطيع أن تقول أن هذا كان شيئاً نادراً في السودان آنذاك. أن يحضر تلميذ عند الشيوخ ويدرس بعض كتب شيخ الإسلام ابن تيميه وكتب السنة؟!
الشيخ جعفر إدريس: لا- لم يكن الحضور على المشايخ شيئاً نادراً، بل كان الناس لا يدرسون إلا عند الشيوخ آنذاك لكن كان معظم ما يدرسون هو كتب المذهب المالكي، وكان هذا ما بدأت به أنا فدرست بعض متون المذهب المالكي مثل العزية والعشماوية ...
وكان من الذين يدرّسوننا إخواننا الموريتانيون من الشناقطة، إذ كانوا يأتون إلى الحج عبر بورسودان، فكانوا يمكثون مدة في السودان وكان وضعه آنذاك أحسن مما هوعليه اليوم، فكنت أدرس على بعضهم، ومن الناس الذين حبّبوا إليّ السنة آنذاك - وكان ذلك بعد المرحلة الثانوية- رجل علامة فاضل من آل شنقيط ,وكان يحفظ القرآن الكريم حفظاً ما رأيت مثله, لقد كان معجماً مفهرسا لألفاظ القرآن -إذا صح هذا التعبير- فإذا سألته عن أي كلمة في القرآن أتى لك بكل الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة!. وأظنه كان مالكيا متعصّباً ثم تحول فكان عنده رد فعل عنيف على كتب الفقه إذ كان يقول لنا: أن الأربعين النووية خير من كتب الفقه كلها.
فكنت أحضر عنده ... ثم ذهب إلى السعودية وصار هنالك من كبار العلماء وإن لم يشتهر كثيراً ريما لأنه ليس من أهل البلد، فكان مع الشيخ ابن باز في إدارة البحوث والإفتاء وكان يحقق بعض الكتب هذا العالم الفاضل كان الشيخ إسماعيل الأنصاري رحمه الله.
العصر: ومتى كان هذا يا شيخ؟
الشيخ جعفر إدريس: كان ذلك بالنسبة لصحبتي به تقريباً في بداية الخمسينات سنة 1951 م، 1952/ على وجه التقريب.
الصراع مع التيارات الهدامة:
ومن المؤثرات في حياتي أننا عندما ذهبنا على المدرسة كانت الشيوعية حركة قوية جداً، جاء معها التحدي الشيوعي في مجالات الاقتصاد والكلام عن الاشتراكية وغيرها من مجالات الحياة، غير أن زادي من الكتب التي قرأتها من قبل لم يكن كافياً لمواجهة هذا التيار الهدام، والصراع مع هذه الأفكار المنحرفة، إذ أن المواضيع التي طرقتها الشيوعية مواضيع حديثة، ففي هذا الوقت انضممنا إلى حركة إسلامية كانت تسمى حركة التحرير الإسلامي، وكنت معجباً بسيد قطب إلى درجة كبيرة وكان له ولكتاباته بالغ الأثر في فكري ...