كما كنت أقرأ في تلك الفترة كتباً عن وجود الخالق، وإن كنت نسيت بعض عناوينها الآن، فقد كانت طبيعة ذلك الزمان تستدعي قراءة أمثال هذه الكتب، نظراً لوجود الشيوعيين المنكرين لوجود الخالق، وهذه كتب لم تكن من كتب أبناء الحركة الإسلامية.
كما عرفت في هذه الفترة ابن القيم الجوزية وكنت أفهم كلامه أفضل من فهمي لكلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيميه ومن الكتب التي أثرت فيَّ كتاب لمحمد رشيد رضا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسمه "الوحي المحمدي" ينهج فيه نهج الحجج العقلية وقد استفدت منه كثيراً.
ومن الكتب التي نفعتني في الناحية التربوية وأنصح الشباب به كتاب لأبن القيم اسمه الداء والدواء" كما استفدت من كتاب سيد قطب "التصوير الفني في القرآن الكريم".
مع الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله.
المرحلة الأخرى التي تركت أثراً في حياتي هي تلك التي بعد أن هاجرت إلى السعودية، وهناك التقيت بالشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله، وكانت هذه من نعم الله علي، فقد كان الشيخ رجلاً عالماً زاهداً تقياً وأعده في مقدمة علماء العصر الجهابذة، والحق أقول أني لم أر مثل الشيخ لا بين المسلمين ولا غيرهم، فقد تميز بعده خصائص أوجزها كالآتي:
أولاً: التقوى: لقد عرفت علماء عدة من المسلمين عرباً وغير عرب، فكان مما يؤسف له أن تجد الكثير منهم ينتقد رموز المعاصرين إلى درجة تصل به إلى احتقارهم إلا الشيخ رحمه الله فقد كان ينقد غيره بأدب قل نظيره، لا يحتقر أحداً ولا تجري على لسانه تلك الكلمات الشنيعة التي تسمعها اليوم هنا وهناك في حق الدعاة والعلماء، وكان رحمه الله يمدح الكثير من الدعاة أمثال المودودي والبنّا، ويحل غيره من العلماء فكان لا يذكر الشيخ الألباني إلا ويصفه بالعلامة، ويثني على زملائنا الموجودين حوله، وأذكر أنه سُئل مرة عن الشيخ المودودي وأنه يؤول فأجاب قائلاً: أنه -أي المودودي- أخطأ- لكن هذه المسالة دقيقة، وأن الإنسان إذا اشتهر فضله ينتقد لكن لا يشنَّع عليه.
ثانيا: الكرم: فقد كان رحمه الله حاتمياً، مشهوراً بالكرم، ولكم تمنيت أن إخواننا الذين أكرمهم الله بالسلفية كانوا مثله، فقد كان عنده من المزايا التي كنا نجدها لدى شيوخ التصوف فهؤلاء عندهم رقة وعندهم كرم، وكانت كلاهما في الشيخ، فكلّما تناولت عنده الغداء مثلاً أجد لديه جمعاً كبيراً لا يقل عن خمسة عشر شخصاً، من الذين يأتون لسؤاله أو طلب المساعدة منه أو زيارته.
ثالثاً: لقد منَّ الله على الشيخ بذاكرة علمية عجيبة جداً، فلم يكن يتميز بقوة الحفظ فقط، فالحفظ قد يتقنه الكثير، لكنه تميز بقوة الاستحضار وسرعته، وقد تمنيت أني عرفت الشيخ مبكراً واستفدت منه نصائحه في طريقة الدراسة ...
العصر: هلا ذكرتم لنا بعض ما قرأتم على الشيخ؟
الشيخ جعفر إدريس: لم أقرأ عليه قراءة شخصية، لكني كنت أحضر دروسه في الجامع الكبير وكانت كتباً كثيرة، أتذكر عندما بدأت الحضور، كانوا يقرءون في فضائل الصحابة من صحيح البخاري، ثم بعد ذلك يقرا المبتدءون عنده كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقد كان من الغريب أنا لشيخ في تدريس المبتدئين يفيض في الشرح ويفصّل، بينما كان في درس الكتب الواسعة لا يعلق إلا الشيء البسيط، فاستمعنا إلى كتب كثيرة، وبعض دروس تفسيرالقرآن الكريم وكان يفضّل تفسير ابن كثير ويحبّه جداً، كان حضوري للدروس بعد عام 1975 م، حيث كنت أحرص على الاستعادة منه، وقد استفدنا منه رحمه الله سمتاً وعلماً، وكان دائم الذكر لله في كل أحيانه وما رأيت إنسانا مثله يعتقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، ويلمس حاجة العصر لها وكان ذلك إلى آخر حياته رحمه الله.
العصر: نسأل الشيخ على مستوى الحركة والجماعات، كيف تعامل الشيخ جعفر مع مسألة الانتماء في العمل الإسلامي؟