وقد كان رحمه الله وأنت تقرأ في نتاجه العلمي وكما خبّر عنه تلامذته، يشكل نمطاً فريداً في العلم وعقلية راسخة محايدة، جعلت منه مدرسة يرودها كلّ مصابر مرابط؛ فإنّ انقطاعه للعلم وعكوفه في مجالس الأقدمين، هيّأ له قلمًأ لا تخطئه العبارة، وفكرًا حاضر الذّهن في كلّ حال.
فقد كان شيخنا منذ نعومة أظفاره على وعي بما يجري حوله، وما يُراد بالعربية وأمتها من مكايد ومعضلات، فكانت عقولهم بحقّ أكبر من أعمارهم كما يقولون، انظر إلى هذا الوعي: "كنت فتى حين أَجَبت عضواً من جمعية إسلامية دأبت على إصدار منشورات تطالب العناية بدرس الدّين في مدارس الحكومة، وزيادة حصصه وكان الفرنسيون قد أنقصوها: سألني: ما رأيك في هذا المنشور؟ قلت: أرى صيانةً لدرْس الدّين- أن تطالبوا بإلغائه. فعجب جداً وقال: كيف؟ ولمه؟ قلت: إنّ للدّين حرمةً في النفوس طبيعية، فإذا ألغيتم الدرس بقيت الحرمة، ويتعلم الناشئ دينه في أسرته وفي المسجد، لكن إبقاءه - وبعض مدرسيه يمالئون الفرنسيين - يوحي إلى الأطفال وقد تشبّعوا بروح المقاومة أنّ هذه الممالأة من الدّين فيكفرون به" [18].
ومن معالم شخصيّته غيرته على الدّين الحنيف، تلحظ ذلك من كلام الأستاذ زهير الشاويش بقوله [19]: "شهدت له مناقشات مع كبار علماء بلدنا المقلّدين، وكان المدافع عن منهج الاتّباع للأدلّة والنّبذ للتقليد الأعمى .. وكان يصحّح للمؤرّخ الصّديق عمر بن خالد الحكيم [20] ما يجد فيه توسّعًا من أخبار ومعلومات، ويردّ على الدكتور سعيد عودة ما يتطاول به على العلاّمة المجاهد الشّيخ كامل القصّاب، ورجل فلسطين الأوّل الحاج أمين الحسيني ... وكانت له مع الطنطاوي جلسات للتقريب بين المذاهب، بعضها مع الشيخ محمد تقي القُمِّي [21] في دار التقريب بمصر".
وليس ذلك غريبًا على باحث سلخ من عمره أشواطًا في دراسة الإمام العلَم ابن حزم الأندلسي، وعاش مع الحضارة العربيّة والإسلاميّة ما أنساه أن يكون أبًا كغيره من العلماء ... انظر إليه في بحثه (معاوية في الأساطير) وقد أعوزته المادّة العلميّة يقول [22]: "في دار الكتب الظاهريّة بدمشق مخطوطتان لتاريخ دمشق الكبير للحافظ ابن عساكر، عكفت على تفليتهما شهورًا طويلة فوجدت فيهما عونًا على موضوعنا، ولفتًا للذهن إلى الطريق اللاّحب بعد أن كنت أسيرًا في بنيّات [23] الطّرق"، وهذا شأنه رحمه الله مع كلّ نتاجه العلمي.
وقد كانت المنتديات الأدبيّة والمقاهي الثّقافيّة والمجالس العلميّة وما زالت إلى اليوم، منتشرة بشكل بارز في سوريّة، خصوصًا في فترة الاحتلال الفرنسي وما بعدها بقليل، حيث كان يجتمع فيها الأدباء والمفكّرون والشّعراء، كلّ يدلي من جانبه في الموضوع المطروح للنقاش، وقد أثمرت هذه اللقاءات ثمارًا طيّبة في إخراج جيل يتسلّح بالعلم، ويتقن العربيّة الفصحى بصرف النظر عن اختصاصه، وكان أثرها في النّاس مجديًا يفوق ما يأخذه الطلاّب في الجامعات.
وأشار الأستاذ زهير الشاويش في مقاله [24] إلى أنه تتلمذ على الأستاذ سعيد الأفغاني في المجالس التي كان يعقدها الشيخ علي الطنطاوي سنة 1945 في المدرسة الأمينيّة، وفي جلسات خاصّة في بعض متنزّهات دمشق في بساتين شارع بغداد أو نهاية خط المهاجرين في سفح قاسيون قرب مصلّى العيد، أو في زيارته التي يتكرّم بها علينا في المكتب الإسلامي، أو في دارنا في الميدان حيث كان يُسرّ مما يسمع من والدي من أحاديث البادية والجهاد.
وكانت له رحمه الله لقاءات خاصّة به يبعد فيها عن ضيق الدّرس ومتاعبه، يجلس إلى أصحاب الحرف في أسواق دمشق (حدّثني بذلك أحد تلامذته)، يبتعد فيها عن جدليّات الأساتذة في مسائل النحو والصّرف، ليكون قريبًا من العامّة الذين يشكّلون بالنسبة إليه تاريخًا مضيئًا لحقبة من تاريخ الشّام العظيم.