حاولت النقابات التي قامت في القرن التاسع عشر أن تحقق مطالبها الشرعية وكان نصيب النقابات التي لم تحاول بأي ثمن أن تتحد مع مجموعة أرباب العمل أو الخضوع لها الفشل. أما الرؤساء الذين تتالوا على الحكم خلال السنوات التي تلت نهاية الصراعات لم يفكروا أبداً بالجانب الاجتماعي أو الأخلاقي. لقد مات وارن كاماليل هاردنغ (1865-1923) كما يبدو على أثر الفضائح التي طالت بعض أعضاء حكومته وعلى أثر جو الفساد الذي ساد آنذاك. ولم يستطع كالفن كولدج (1872-1933) منع سير الأمور مهما تكن نتائجها. وبقي أخيراً هربر كلارك هوفر (1874-1964) في الذاكرة لأنه رفض توزيع مكافآت الإعانة الاجتماعية إلى العاطلين عن العمل بعد الانهيار المالي في عام 1929. لقد تحقق إذن النموذج المثالي الذي ابتدعه ثورو Thoreau القائل بأن الحكومة الجيدة هي الحكومة التي تترك رجال الأعمال ينشطون فلا تحكم أبداً أو تمارس دورها بأقل شكل ممكن.
خلال فترة ما بين الحربين لم تهتم الولايات المتحدة سوى بأمرين: ضمان بحبوحة الطبقة المترفة عن طريق إعطاء الحرية الكاملة للمشاريع العظمى والعمل الدولي المرتبط بالمصلحة القومية الأمريكية فقط. فأمريكا اللاتينية كما رأينا خضعت لوصاية الولايات المتحدة وكانت الاستثمارات والإشراف المالي والصناعي والتدخلات المباشرة أوغير المباشرة (عسكرية، سياسية، دبلوماسية) كافية لإبقاء أمم الدائرة الثانية تحت جزمتها. وسمحت لها القوة البحرية والتجارية الأمريكية والوسائل التي استخدمتها أن تمتد باستعمارها لآسيا ومن ثم لأوروبا.
في ذلك العصر استمرت الولايات المتحدة باستخدام ذكي للخطاب ذي الوجهين. ففي المعاهدات كلها كانت بالطرق الدبلوماسية وبالدعاية تخرب للآخرين وخاصة للأوروبيين ما كانت تعمل على بنائه عندها. ولهذا الغرض كانت تستخدم السلاح الاقتصادي كمتمم للسلاح الدبلوماسي والأيديولوجي.