أصبحت القارة بأكملها أشخاصاً وحيوانات وأرضاً وأفكاراً دون تمييز عبارة عن سلعٍ تعرض للبيع بالمفرق. فَقُطِّعَتْ أراضي الغرب بقرارات تصدر عن العاصمة وقُسِّمَتْ حسب مخطط عام تقسمه خطوط مستوية. هذه التقنية لم تكلف المنتفعين غالياً ولكنها درت عليهم أرباحاً طائلة. واستفاد إنشاء السكك الحديدية وكل مشروع رأسمالي مهيأ أن يدر الربح الكثير على صاحبه من مساعدة المال العام الفيدرالي أو المحلي لأنه وحسب القاعدة الليبرالية ما يمكن أن يعود بالفائدة على ثروة الفرد يمكنه أن يدر بالفائدة للجميع. هذا الارتباط التبعي بمساعدات المال العام لم يمنع تطور نوع من روح المنافسة الذي هو الأداة الرئيسية للأيديولوجية الليبرالية، أي نوع من الداروانية الاجتماعية الاقتصادية قبل اكتمال تطورها.
نحن نعرف عن كبار مفكرّي الجمهورية الأمريكية أنّ لديهم مرجعيات تاريخية وأيديولوجية محددة. فلم يكن واشنطن أو فرانكلين أو جفرسون وكثيرون غيرهم يجهلون في أي نسق زمني يسيرون. وأمام الخيار بين نظام اقتصادي منفتح أو منفلش وبين نظام أكثر مركزية همه النفع العام فقد اختاروا ومنذ البداية الخيار الأول. هذا التعارض ليس إذن بجديد بل هو يعود إلى عصر اليونان القديم.
أمام التبادل الحر وحرية الاقتصاد الذي نادى بها السفسطائيون كما يقول جان بونكر وهنري تومان حذر أفلاطون من ذلك في جمهوريته وقوانينه ودعم بالمقابل النظام الذي يقوم على خلود النفس. «يجب على الحياة على هذه الأرض أن تنتظم بشكل أكثر عدالة من أجل تأمين خلاص النفوس. فعمل الفيلسوف يعتمد إذن على البحث عن القوانين التي تضمن سيادة العدالة في المدينة». بالنسبة للسفسطائيين تتوافق العدالة مع قانون الأقوى. ففي مجتمع المنافسة الأفضل هم الذين ينتصرون. وفي وجه هذه العقلية دافع أفلاطون