تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تملك الحكومة الأمريكية حصتها في مثل هذا المشروع، فعندما يقوم المنتجون باغراق السوق في العالم بالأفلام السينمائية والتلفازية بدءاً من السوق المحلية، فهم يحاولون علناً خنق المنتجين الآخرين والأعمال الوطنية مبعدين تدريجياُ المضمون الثقافي التقليدي واحلاله بمضون الأيديولوجية الأمريكية، كما حدث عام 1992 حيث عرضت المحطات الفرنسية 200 ساعة من الصور المتحركة مقابل 200 ساعة من إنتاج أمريكي أو ياباني عندها نستطيع أن ندرك بأن المعركة ليست متساوية. وبعيداً عن عملية احلال صور أجنبية مكان صور فرنسية مشابهة ، فعندما نعرض صور متحركة أعدت بواسطة الحاسوب بأسعار رخيصة نكون بذلك نعمل على تعويد المشاهد الأوروبي على طريقة معينة من التفكير. وعندما تفرض شركة كولومبيا الحصول على حق توزيع الأفلام الأمريكية بمفردها في أوروبا، وعندما تفرض الشركات الأمريكية الكبرى إفساح المزيد من المساحة الإعلامية للمنتجات الثقافية لبلادها فهي تساهم في مشروع تهديم الهوية الوطنية للدول الأخرى عن طريق توحيد مستوى الذوق والبنى الفكرية(1).

(1) عندما نشاهد فيلم كرتون فرنسي مثل «الملك والعصفور» لبول غريمو ثم نرى مباشرةً لساعات طويلة بل لأشهر وسنوات رسوم متحركة يابانية وأمريكية (طبقاً للنسبة مع الإنتاج الأوروبي) نتأثر فعلاً بالتناقض ما بين الأكوان المعروضة. إن رائعة غريمو هي نموذج للعمل الذي تتنافس فيه الشاعرية والعمق الفكري وهذا ما يميز الفكر الأوروبي المركب الذي لا يمكن أن يكتفي بتفسير بسيط أحادي البعد. أما مستويات القراءة فهي غنية ذات معاني متعددة ومرجعية هادفة. بالمقابل الرسوم المتحركة الأمريكية الممتازة التقنية (وربما لهذا السبب) تدهشنا بالبساطة الجارحة بتقديمها الواقع، والرسوم اليابانية تتميز بالعنف الذي لا يمكن إلا أن يترك أثاره المدمرة والدائمة .

أمريكا المستبدة · الصفحة ٢٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أمريكا المستبدةص ٢٣٨