في الجزء الجنوبي من أمريكا اللاتينية تبدو حالة كولومبيا الأكثر تمثيلاً للنظام الذي أقامته الولايات المتحدة والمؤسسات المالية فيما بعد. يقول البروفيسور الأمريكي نعوم شومسكي إن إدارة الرئيس الأمريكي أعطت عام 1962 لجيوش بلاد الجزء الأسفل من القارة دوراً جديداً. فلم يعد الأمر يتعلق بالنسبة لها بتأمين دفاعها الوطني ضد العدو الخارجي بل أصبح الموضوع يتعلق بالأمن الداخلي. وقد اعترف شارل كيشلنغ المسؤول الأسبق عن برنامج الحرب ضد العصابات أيام رئاسة كيندي وجونسون بأنه لم يعد يكفي منذ ذلك الحين تحمُّل «جشع ووحشية العسكريين في أمريكا اللاتينية» ولكن انتقلنا معهم إلى «شراكه مباشرة». إن الأساليب التي استخدمها العسكريون المدربون من قبل الأمريكيين لم تقل شراسة عن «أساليب فرق التصفية لهنريش هتلر». هذه المقارنة ليست بسبيل المصادفة لأن الولايات المتحدة استقبلت حينها القادة السابقين للنازية الذين ساعدوا في إعداد كراسات التدريب. وقد دأب معاونون في البيت الأبيض أمثال روبرت مكنمارا على تطبيق الأساليب المقترحة من أجل أبعاد «كل من يمكنه أن يهدد الأمن الداخلي» لدول أمريكا اللاتينية. في عام 1981 أعد الاقتصادي إدوارد هرمن من معهد وارطن (جامعة بنسلفانيا) دراسة تحدثت عن علاقة سببية بين الطَّغمة العسكرية وإيجاد «مناخ مناسب للأعمال» يتجلى أوتوماتيكياً بتصاعد القمع والتعذيب والاغتيالات وإرهاب الدولة وانتهاك حقوق الإنسان بأسوأ أشكاله الفاضحة. كولومبيا الحالية هي النتيجة المباشرة لهذا النظام، وباعتبارها موطناً لمنظمات مافيا المخدرات بالتواطؤ النشط مع الصناعة الكيميائية الأمريكية ومع البرجوازية المحلية (المصارف والمصانع التي تجنى منها أرباح ضخمة) ومع العنف والعصابات فهي اليوم من بين الدول حيث حقوق الإنسان الأكثر انعداماً.
أمريكا المستبدة · الصفحة ١٤٩
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
أمريكا المستبدةص ١٤٩
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي