كان انتقالاً تاريخياً عبره الحزب بقليل من العناء وبكثير من المكاسب، فقد دخل إلى الساحة العراقية بمجده القديم ووصل إلى سنام السلطة السياسية بعامل خارجي، وفي الوقت ذاته بمباركة مرجعية غير مكلفة سياسياً ودينياً وشعبياً. فمرجعية النجف ممثلة في السيد علي السيستاني ليست مناصرة لأطروحة ولاية الفقيه، بل تمثّل امتداداً للخط المرجعي التقليدي الذي يكتفي بولاية حسبية تقتصر على فئات اجتماعية بأوضاع خاصة مثل القصّر والأيتام أو مصالح عامة مثل الأوقاف.
لاشك أن قدرة الدولة على فرض منطقها، بالنظر إلى أن مشروع الدولة العراقية حالياً منجز خارجي لم تشارك المرجعية الشيعية فيه، سمحت للحزب الشيعي العمل في مساحة مناورة محررة من سلطة الفقيه، الذي بدا هو الآخر متسامحاً إلى حد كبير بموجب رؤيته الفقهيه الخاصة وكذا خصائص ذاتيه غير مغفولة.
تجربة الدولة العراقية الجديدة تعكس وجهاً جديداً للعمل الحزبي الشيعي يتناقض كلياً مع التجربة الإيرانية التي أطلقت سلطة الفقيه إلى خارج فضائها الجغرافي بحسب فحوى «ولاية أمر المسلمين»، التي تخوّل الفقيه، نظرياً على الأقل، سلطة على أتباع المرجعيات الشيعية الأخرى، وهي سلطة عابرة للحدود.…
وتنبىء التجربة الحزبية الشيعية الوليدة في العراق عن انحسار تدريجي لظل ولاية الفقيه، مع إبقاء المرجعية الشيعية كمظلة روحية وتوحيدية بالغة الضرورة في حوادث كبرى مثل تفجيرات مرقدي الإمامين الهادي والعسكري في سامراء.
وبطبيعة الحال، فإن تجربة التيار الصدري هي الأخرى تلفت إلى إمكانية تطوّر عمل سياسي مشتق من داخل الحوزة أو من المجتمع الديني الشيعي ولكنه غير خاضع لتأثيرات ولاية الفقيه، مع دعوى الارتباط المفتعل بين تيار مقتدى الصدر وإحدى المرجعيات الشيعية المغمورة، مثل السيد محمد كاظم الحائري. وفي واقع الأمر، أن السيد مقتدى الصدر هو المرجعية الحقيقية بالمعنى السياسي والروحي.