بل وساغ لهم ما هو أكثر من ذلك فقالوا: إن الآية الواحدة لها تأويلات كثيرة مختلفة متناقضة، وقالوا: إن الآية الواحدة يجوز أن يكون أولها في شيء وآخرها في شيء آخر.. ولا شك أن باب التأويل الباطني باب واسع يمكن لكل من ولجه أن يصل منه إلى كل ما يدور بخلده ويجيش بخاطره.
وليس لقائل أن يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صرح بأن للقرآن باطنا، وإن المفسرين جميعا يعترفون بذلك ويقولون به، فكيف توجه اللوم إلى الإمامية وحدهم؟ ليس لقائل أن يقول ذلك؛ لأن الباطن الذي أشار إليه الحديث وقال به جمهور المفسرين، هو عبارة عن التأويل الذي يحتمله اللفظ القرآني، ويمكن أن يكون من مدلولاته. أما الباطن الذي يقول به الشيعة فشيء يتفق مع أذواقهم ومشاربهم، وليس في اللفظ القرآني الكريم ما يدل عليه ولو بالإشارة.
مخلصهم من تناقض أقوالهم في التفسير:
ثم إن الإمامية الإثنى عشرية، أحسوا بخطر موقفهم وتحرجه عندما جوزوا أن يكون للآية الواحدة أكثر من تفسير واحد مع التناقض والاختلاف بين هذه التفاسير. فأخذوا يموّهون على العامة ويضللونهم، فقرروا من المبادئ ما أوجبوا الاعتقاد به أولا على الناس ليصلوا بعد ذلك إلى مخلص يتخلصون به من هذا المأزق الحرج، فكان من هذه المبادئ التي قرروها وأوجبوا الاعتقاد بها ما يأتي:
أولا: أن الإمام مفوض من قبل الله في تفسير القرآن.
ثانيا: أنه مفوض في سياسة الأمة.
ثالثا: التقية.
وكل واحد من هذه الثلاثة يمكن أن يكون مخلصاً للخروج من هذا التناقض الذي وقع في تفاسيرهم التي يروونها على أئمتهم، فيكون الإمام مفوضاً من قبل الله في تفسير القرآن مخلص لهم؛ لأن باب التفويض واسع. وكونه مفوضاً في سياسة الأمة مخلص أيضاً؛ لأن الإمام أعلم بالتنزيل والتأويل، وأعلم بما فيه صلاح السائل والسامع، فهو يجيب كل إنسان على حسب ما يرى فيه صلاح حاله.