ثانيهما: أن أهمية العقيدة قد تدهورت إلى حد خطير لدى جيلنا المثقف المتعلم، وهذا أمر جد خطير يدعو للقلق، ويستلزم إعمال الفكر.
إن أهم الحدود الفاصلة بين دعوات الأنبياء وغير الأنبياء من الأدعياء، وبين أهداف وأعمال الأنبياء وأعمال غيرهم، هي عقيدة لا تقبل أي هدنة أو مهادنة، ولا تقبل أي تسويف أو مساومة( )
فمعيار الرفض والقبول، ومعيار الإعجاب والبغض، وشرط الوصل والقطيعة، يتمثل فقط ـ عند المسلم ـ في تلك العقيدة، وفي هذا الدين، الذي هو رغم ضعف المسلمين قائم وثابت في شكله الأصلي، وطالما بقيت هذه العقيدة صلبة مستقيمة، وطالما تمسك بها أهلها، وأخذتهم الحمية والغيرة عليها إن مسها أحد بضر، وطالما لم يهن ولم يضعف مفسرو الدين وشارحوه والمحافظون عليه أمام أي جبروت أو طاغوت، أو أمام أية إمبراطورة مهما وصلت قوتها، وطالما لم يسمحوا لأحد أن يمس هذه العقيدة من قريب أو بعيد، وطالما رأوا عدم جواز السكوت على أية عقيدة خاطئة أو دعوة تشوبها شائبة من خطإ أو تحريف مهما كان الأمر يمس المصالح الدنيوية للمسلمين، ومهما كان الأمر يحمل التلويح بالابتعاد عن تفرقة المسلمين أو البعد عن إيجاد اختلاف بينهم.
فالعقيدة الصحيحة هي الأساس، وما عداها باطل باطل... وها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله علية، المتوفى (241هـ) يعارض ويواجه مواجهة شديدة، ليس فقط حاكماً من أكبر الحكام المسلمين، بل أعظم حكام عصره، ألا وهو الخليفة المأمون ابن الخليفة هارون الرشيد، والمعتصم بن هارون الرشيد، فيتحمل السياط وعذاب السجن في سبيل الدفاع عن الإسلام في صورته النقية الطاهرة، وذلك حين ظهرت فكرة خلق القرآن.