فهم عرفوا الإيمان إذن , ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر . وما يعرف الإيمان ثم يعود إلى الكفر قلب فيه فقه , أو تذوق , أو حياة . وإلا فمن ذا الذي يذوق ويعرف , ويطلع على التصور الإيماني للوجود , وعلى التذوق الإيماني للحياة , ويتنفس في جو الإيمان الذكي , ويحيا في نور الإيمان الوضيء , ويتفيأ ظلال الإيمان الندية . . ثم يعود إلى الكفر الكالح الميت الخاوي المجدب الكنود ? من ذا الذي يصنع هذا إلا المطموس الكنود الحقود , الذي لا يفقه ولا يحس ولا يشعر بهذا الفارق البعيد ! (فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) . .
ثم يرسم لهم السياق صورة فريدة مبدعة ; تثير السخرية والهزء والزراية بهذا الصنف الممسوخ المطموس من الناس , وتسمهم بالفراغ والخواء والانطماس والجبن والفزع والحقد والكنود . بل تنصبهم تمثالا وهدفا للسخرية في معرض الوجود:
(وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم . وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة . يحسبون كل صيحة عليهم . هم العدو فاحذرهم . قاتلهم الله ! أنى يؤفكون ?) . .
فهم أجسام تعجب . لا أناسي تتجاوب ! وما داموا صامتين فهم أجسام معجبة للعيون . . فأما حين ينطقون فهم خواء من كل معنى ومن كل حس ومن كل خالجة . . (تسمع لقولهم كأنهم خشب) . . ولكنها ليست خشبا فحسب . إنما هي (خشب مسندة) . . لا حركة لها , ملطوعة بجانب الجدار !
هذا الجمود الراكد البارد يصورهم من ناحية فقه أرواحهم إن كانت لهم أرواح ! ويقابله من ناحية أخرى حالة من التوجس الدائم والفزع الدائم والاهتزاز الدائم:
(يحسبون كل صيحة عليهم) . .
فهم يعرفون أنهم منافقون مستورون بستار رقيق من التظاهر والحلف والملق والالتواء . وهم يخشون في كل لحظة أن يكون أمرهم قد افتضح وسترهم قد انكشف . والتعبير يرسمهم أبدا متلفتين حواليهم ; يتوجسون من كل حركة ومن كل صوت ومن كل هاتف , يحسبونه يطلبهم , وقد عرف حقيقة أمرهم !!