فهم كانوا يجيئون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشهدون بين يديه برسالته شهادة باللسان , لا يقصدون بها وجه الحق , إنما يقولونها للتقية , وليخفوا أمرهم وحقيقتهم على المسلمين . فهم كاذبون في أنهم جاءوا ليشهدوا هذه الشهادة , فقد جاءوا ليخدعوا المسلمين بها , ويداروا أنفسهم بقولها . ومن ثم يكذبهم الله في شهادتهم بعد التحفظ الذي يثبت حقيقة الرسالة: (والله يعلم إنك لرسوله) . . (والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) .
والتعبير من الدقة والاحتياط بصورة تثير الانتباه . فهو يبادر بتثبيت الرسالة قبل تكذيب مقالة المنافقين . ولولا هذا التحفظ لأوهم ظاهر العبارة تكذيب المنافقين في موضوع شهادتهم وهو الرسالة . وليس هذا هو المقصود . إنما المقصود تكذيب إقرارهم فهم لا يقرون الرسالة حقا ولا يشهدون بها خالصي الضمير !
(اتخذوا أيمانهم جنة) . . وهي توحي بأنهم كانوا يحلفون الأيمان كلما انكشف أمرهم , أو عرف عنهم كيد أو تدبير , أو نقلت عنهم مقالة سوء في المسلمين . كانوا يحلفون ليتقوا ما يترتب على افتضاح أمر من أمورهم , فيجعلون أيمانهم وقاية وجنة يحتمون وراءها , ليواصلوا كيدهم ودسهم وإغواءهم للمخدوعين فيهم . (فصدوا عن سبيل الله) . . صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم مستعينين بتلك الأيمان الكاذبة: (إنهم ساء ما كانوا يعملون) . . وهل أسوأ من الكذب للخداع والتضليل ! ?
ويعلل حالهم هذه من شهادة مدخولة كاذبة , وأيمان مكذوبة خادعة , وصد عن سبيل الله وسوء عمل . . يعلله بأنهم كفروا بعد الإيمان , واختاروا الكفر بعد أن عرفوا الإسلام:
(ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم , فهم لا يفقهون) . .