ويكفيك لأجل أن تشعر بخطورة الدور الذي قام به المنافقون , وخاصة في أوائل العهد , أن تلاحظ أن المنافقين كانوا أقوياء نسبيا بعصبياتهم التي كانت ما تزال قوية الأثر في نفوس سواد قبائلهم , كما أنهم لم يكونوا مفضوحين فضيحة تامة , ولم يكن الإسلام قد رسخ في هذا السواد رسوخا كافيا ; وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان محوطا بالمشركين الجاحدين من كل جانب , وأهل مكة خصومه الألداء , وهم قبلة الجزيرة يتربصون به الدوائر , ويتحينون كل فرصة ووسيلة للقضاء عليه ; واليهود في المدينة وحولها قد تنكروا له منذ عهد مبكر وتطيروا به , ثم جاهروه بالكفر والعداء والمكر ; ولم يلبث أن انعقد بينهم وبين المنافقين حلف طبيعي على توحيد المسعى , والتضامن في موقف المعارضة والكيد , حتى ليمكن القول:إن المنافقين لم يقووا ويثبتوا ويكن منهم ذلك الأذى الشديد والاستمرار في الكيد والدس إلا بسبب ما لقوه من اليهود من تعضيد , وما انعقد بينهم من تضامن وتواثق , ولم يضعف شأنهم ويخف خطرهم إلا بعد أن مكن الله للنبي من هؤلاء وأظهره عليهم , وكفاه شرهم ] .
الدرس الأول:1 - 4 سبب تكذيب المنافقين وتلاعبهم وصدهم عن سبيل الله وتصوير جبنهم
وهذه السورة تبدأ بوصف طريقتهم في مداراة ما في قلوبهم من الكفر , وإعلانهم الإسلام والشهادة بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول الله . وحلفهم كذبا ليصدقهم المسلمون , واتخاذهم هذه الأيمان وقاية وجنة يخفون وراءها حقيقة أمرهم , ويخدعون المسلمين فيهم:
(إذا جاءك المنافقون قالوا:نشهد إنك لرسول الله - والله يعلم إنك لرسوله - والله يشهد إن المنافقين لكاذبون . اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله , إنهم ساء ما كانوا يعملون) . .