قلت : هذا الذي قاله هذا هو مذهب القوم، قال أبو عبيد : وهذا غير ما نطق به الكتاب، ألا تسمع إلى قوله : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ﴾ [ آل عمران : 19 ] ، وقال : ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [ آل عمران : 85 ] ، وقال : ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ﴾ [ المائدة : 3 ] فأخبر أن الإسلام هو الدين برمته، وزعم هؤلاء أنه ثلث الدين . قلت : إنما قالوا : إن الإيمان ثلث، ولم يقولوا : إن الإيمان ثلث الدين،لكنهم فرقوا بين مسمى الإيمان ومسمى الدين، وسنذكر ـ إن شاء اللّه تعالى ـ الكلام في مسمى هذا ومسمى هذا . فقد يحكى عن بعضهم أنه يقول : ليستا من الدين ولا يفرق بين اسم الإيمان والدين،ومنهم من يقول : بل كلاهما من الدين، ويفرق بين اسم الإيمان واسم الدين، والشافعي ـ رضي اللّه عنه ـ كان معظمًا لعطاء بن أبي رباح، ويقول : ليس في التابعين أتبع للحديث منه، وكذلك أبو حنيفة قال : ما رأيت مثل عطاء، وقد أخذ الشافعي هذه الحجة عن عطاء . فروى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي : حدثنا أبي، حدثنا ميمون، حدثنا أبو عثمان بن الشافعي، سمعت أبي يقول ليلة للحميدي : ما يحتج عليهم ـ يعني /أهل الإرجاء ـ بآية أَحَجُّ من قوله : ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [ البينة : 5 ] .
وقال الشافعي ـ رضي اللّه عنه ـ في كتاب [ الأم ] في [ باب النية في الصلاة ] : يحتج بألا تجزئ صلاة إلا بنية بحديث عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ عن النبي صلىالله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات ) ثم قال : وكان الإجماع من الصحابة، والتابعين من بعدهم، ومن أدركناهم يقولون : الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر .