و لكن ما الباعث على هذه الأيمان الفاجرة ؟ و ما الداعي لهذه التصرفات المتقلبة ؟ إن النفاق حينما يستشري في بعض النفوس فتحسب اللؤم قوة ؟ و المكر السيء براعة ، و ما هذا و ربك إلا ضعف و خسة ، و خور و سفة ، فالقوي بحق لا يكون لئيماً و لا خداعاً و لا متلوناً ، و لكن الذين لا يخلصون لله سرائرهم يتعذر عليهم أن يشعروا بفساد أعمالهم : " ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون " بل و لا يعلمون افتضاح أمرهم : " ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون " لماذا ؟ لأن ميزان الخير و الشر و الصلاح و الفساد يتأرجح عندهم مع الأهواء الذاتية و المصالح الشخصية ، يزعمون أنهم مصلحون و هم يأمرون بالمنكر و ينهون عن المعروف و يقبضون أيديهم .
منافقون مذبذبون يأتون بظواهر العبادات و قد قام بهم الرياء و هو أقبح مقام ، و قعد بهم الكسل و هو بئس القعيد : " وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا " . " ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون " . تكاسلاً و ثقلاً ، و شحاً و بخلاً ، لا يرجون ثواباً و لا يخشون عقابا .
و من مراتب النفاق الكبرى أن يجلس جالسهم مجلساً يسمع فيه آيات الله يكفر بها و يستهزأ بها فيسكت و يتغاضى ملتمساً لنفسه أعذاراً أو مسوغات من التسامح و اللباقة و الدهاء و الكياسة و سعة الأفق و حرية الرأي ، و ما درى أن هذه هي الهزيمة تدب في أوصاله و تنخر في فؤداه و ما فرق بين حرية الفكر و جريمة الكفر : " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا " .
أهل النفاق لا يعتبرون من الفتن ، و لا يرجعون ند الكوارث و لا يستفيدون من الحوادث : " أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون " .