ثم جاء رجل آخر فقال : ما تقولون في هذا ؟ قالوا : حري إن خطب ألا ينكح ، و إن شفع ألا يشفع و إن قال ألا يستمع إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : هذا خير من ملء الأرض مثل هذا . "
و لكم أن تساءلوا : هل قيمة المرء ما يحسنه و يتقنه و يثمره ؟ أو أن قيمته ما يملكه و يجمعه و يستهلكه ؟؟ .
إذا كان الأمر كذلك ـ أيها المسلمون ـ فهل لنا أن نقف وقفات مع كتاب الله في تقرير هذا الميزان ، و تجسيد صور من الانحراف في من يخسرون الميزان ؟؟
أيها الأخوة الأحبة : تأملوا هذه الآيات الكريمات : " ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد " .
و قوله سبحانه : " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ".
و قوله عز شأنه : " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة " .
الإعجاب بالظواهر لمجردها موقع في الهلكة . إعجاب بكثرة الأولاد ، و صحة الأجساد ، و وفرة الأموال ، و طلاقة الألسنة ، و أحاديث الدنيا ، و شؤون المادة . إعجاب يزيد النفوس الضعيفة اضطرباً و اكتئاباً ، و يحسبون أنها تغني عن الإيمان ، أو تهدي إلى الحق ، أو تقود إلى الصلاح و الإصلاح .
أيها الأخوة : و أعظم مظهر يتجلى فيه خلل الميزان ، و أكبر صورة يتبين فيها انتكاس العقل و ارتكاس الفطرة و ضلال البصيرة النفاق و المنافقون .
إن النفاق و أهله و صفات المنتمين إليه يطرح قضية خطيرة في حياة الإنسانية بعامة ، و حياة المسلمين بخاصة ، إنها علاقة المخبر بالمظهر ، و الباطن بالظاهر ، و العقيدة بالسلوك ، و القول بالعمل . إنهم الطابور الخامس كما يقول المعاصرون .