أن القتال بين طائفتين من المؤمنين أمر وارد، كما تذكر الآية، ويكون الحلّ الأول حينئذ الإصلاح [فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَ] أما في حالة تعدّي، وبغْي إحدى الطائفتين على الأخرى [فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي] فيجتمع كل المسلمين لمقاتلة هذه الفئة التي خرجت على الإمام [حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] ويذكر الله عز وجل بعد ذلك
[إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] فلم ينزع الله تعالى عنهم صفة الإيمان، ولم ينزع عنهم صفة الأخوة حتى بعد القتال، وبعد أن سمّاهم بغاة.
وكلا الطرفين في هذه المعركة كان يظن أن الطرف الآخر هو الطرف الباغي المخالف للحق، والمتعدي على الحق، ومن ثَمّ يجوز قتاله لردّه إلى الحق، وكلٌّ مجتهد.
فبعض الصحابة اجتهد، فعلم أن الحق مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومع هذا اعتزلوا القتال، وبعض الصحابة لم يعلم مع أي الطرفين الحق، فاعتزل القتال، وبعضهم اجتهد، فعلم أن الحق مع علي رضي الله عنه، فقاتل معه، وبعضهم اجتهد، فعلم أن الحق مع معاوية رضي الله عنه، فقاتل معه.
فكان الأمر من الصعوبة بمكان، وكان فيه اجتهاد كبير، وكان ممن اعتزل الفتنة، ولم يقاتل مع أحد الطرفين أعلام كبار من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فقد عاصر رضي الله عنه هذه الأحداث، ولم يشارك مع أيٍ من الطرفين، وكذلك سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وأسامة بن زيد رضي الله عنه، ومحمد بن مسلمة رضي الله عنه، وعمران بن حصين رضي الله عنه، وكان ينهي عن بيع السلاح لأحد الطرفين.
بل إن الفقهاء والعلماء الذين جاءوا بعد ذلك بفترة طويلة، ونظروا للأمور نظرة عامة تحيّروا في هذا الأمر، ولم يكن الأمر واضحًا لهم بشكل كامل.