تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ربما نرى الأمور الآن واضحة، وأن الحقّ في صف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأن غالب الدولة الإسلامية كان معه ضد معاوية رضي الله عنه، ولكن يجب أيضًا أن ننظر إلى وجهة نظر معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والصحابة الأبرار رضي الله عنهم جميعًا، والتابعين الذين كانوا في جيش معاوية رضي الله عنه، فقد كانوا جميعًا معاصرين لعثمان بن عفان رضي الله عنه، ويعرفون- كالمسلمين جميعًا- مكانته وفضله، وقدره، ومنزلته العالية في الإسلام، وأنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم زوّجه ابنتيه الواحدة تلو الأخرى، فكان من الصعب على معاوية رضي الله عنه، ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم جميعًا، والتابعين، من الصعب على نفوسهم أن يروا هذا الصحابي العظيم، والشيخ الكبير الطاعن في السن أمير المؤمنين يُقتَل هذه القتلة البشعة على أيدي أُناس لا يحفظون حق الله عز وجل، ويريدون إشعال الفتن، وتقويض دعائم الدولة الإسلامية، ومع هذا كله يرون هؤلاء القتلة الذين ارتكبوا هذه الجريمة البشعة يقاتلون في جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه ضدهم، فكان لهذا الأمر ألمًا كبيرًا، وجرحًا عظيمًا في نفوسهم، وإن كان عليهم أن يجاهدوا أنفسهم، ويطيعوا أمير المؤمنين، ويبايعوه أولًا؛ لتهدأ الفتن، ثم يحاكم هؤلاء القتلة بعد أن تستقر له الأمور، ويمسك بزمام الدولة، ويكون له من القوة والمنعة ما يستطيع به أن يحاسبهم دون أن تثور عليه قبائلهم الكبيرة وأقوامهم الغفيرة.

لكن كانت تلك وجهة نظر معاوية رضي الله عنه، ومن معه، ويجب أن تُؤخذ في الاعتبار، ويُحكم عليهم من خلالها، وإن كان على المسلم- كما ذكرنا- أن يزن المضار والمنافع، فإذا وجد مضرّتين، ولا بد أن يختار إحداهما فعليه أن يختار أخف الضررين، وكان أخفّ الضررين أن يُؤجّل قتل قتلة عثمان رضي الله عنه إلى أن تستقر الدولة، وتهدأ الأمور، ثم يحاكمهم أمير المؤمنين.

الفتنة · الصفحة ٢١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الفتنةص ٢١٩