ومن الواضح أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان على قناعة تامة بأنه ليس من البغاة، وأنه إنما يقاتل لإقامة حد من حدود الله تعالى قد عطّله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين لم يقتل قتلة عثمان رضي الله عنه، وكان هذا الرأي بعد اجتهاد من معاوية رضي الله عنه، لكن اجتهاد علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تأخير قتلهم إلى أن يستقر حال الأمة، وتهدأ الفتن هو الأصوب، ولكلٍّ أجره؛ من أصاب أجران، ومن أخطأ أجر واحد.
والفئة الباغية في نظر معاوية رضي الله عنه، هم من جاءوا بعمار بن ياسر معهم، فكانوا سببًا في قتله، وخاصة أنه لم يخرج لمحاربتهم، وإنما هم الذين جاءوا.
فلما سمع الناس قول معاوية رضي الله عنه أخذوا يتحدثون بما قاله، يقول أبو عبد الرحمن السلمي: فلا أدري أهم أعجب أم هو؟
يقول محبّ الدين الخطيب، وهو أحد العلماء الأبرار الذين درسوا تاريخ الفتنة جيدًا، وتايخ الشيعة، يقول في تعليقه على كتاب العواصم من القواصم: الفئة الباغية التي قتلت عمار بن ياسر ليست إلا قتلة عثمان بن عفان، وهي التي يقع على عاتقها هذه الدماء الكثيرة التي سُفكت قبل موقعة الجمل، وفي أثناء موقعة الجمل، وفي موقعة صفين وبعدها، وكل ما جاء من مصائب وكوارث على الأمة بسبب ما فعله أهل الفتنة يعود إثمه عليهم.
لم يهدأ القتال في اليوم الذي قُتِل فيه عمار بن ياسر رضي الله عنه، بل استمر القتال ليلًا، وإلى الصباح، واستمر إلى ظهر اليوم التالي، وصلى المسلمون من الفريقين المغرب، والعشاء، والفجر، إيماءً، وهم على الخيول، أو الجمال، أو وهم يمشون، وسميت هذه الليلة بليلة الهرير، وهذا الاسم سميت به آخر ليلة من ليالي موقعة القادسية التي دارت بين المسلمين والفرس، وشتان بين موقعة يقاتل فيها المسلمون أعداء الله تعالى، وينتصرون، ويدخلون البلاد ليفتحوها لدين الله تعالى، وبين هذه الموقعة التي تتقاتل فيها هذه الأعداد الغفيرة من المسلمين.