طلع النهار على قلبي حتى نظرت بعينيا ... أنت دليلي يا ربي أنت أولى مني بيا
صفحة: 132
والحاصل أن العارفين بالله غابوا عن شهود الخلق بشهود الحق فهم مع الخلق بالأشباح ومع الحق بالأرواح ماتوا وبعثوا وقامت قيامتهم وتبدلت في حقهم الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار فهم يرون الأنوار والناس في ظلمة الأغيار كشف لهم في هذه الدار عن أسرار مكنوناته مسدولة عليها قهارية أستاره وسيكشف لهم في تلك الدار عن أسرار ذاته من غير حجاب الحكمة التي هي أثر صفاته كما أشار إلى ذلك بقوله أمرك في هذه الدار بالنظر في مكوناته وسيكشف لك في تلك الدار عن كمال ذاته قلت إنما أمرك في هذه الدار أن تنظر إليه بواسطة مكوناته لأنك لا تقدر هنا أن تنظر إلى حقيقة ذاته المقدسة في عظمة الجبروت الأصلي بلا واسطة لضعف نشأتك وأن كان ذلك جائزا عقلا ولذلك طلبه سيدنا موسى عليه السلام لكن حكمة الحكيم أقتضت تغطية أسرار الربوبية بأنوار سبحات الألوهية إذ لا بد للحسناء من تقارب وللشمس من سحاب ولو ظهر من غير رداء الكبرياء لوقع الأدراك ولم يبق حينئذ ترقي فالترقي في أسرار الذات إنما هو بالنظر إلى أنوار الصفات وهو لا ينقطع أبدا في الدراين فلا تنال الذات من غير مظهر أصلا فالمعنى لا تقبض إلا بالحس هذا مذهب أهل التحقيق من أهل المعاني فإن قلت كيف فرق الشيخ بين الرؤيتين بأعتبار الدارين والتحقيق أنها رؤية واحدة لأن المظهر متحد فالجواب أنه لما كان مظهر هذه الدار الحس فيه غالب على المعني والحكمة ظاهرة والقدرة باطنة ومظهر الدار الآخرة بالعكس المعنى فيه غالب على الحس والقدرة ظاهرة أنكشف ثم عن حقيقة الذات أكثر مما أنكشف هنا فبهذا المعنى وقع التفريق بين الرؤيتين ومثله قول الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه في حزبه الكبير عز الدنيا بالأيمان والمعرفة وعز الآخرة باللقاء والمشاهدة اه هذا بإعتبار الخواص وأما العوام فلا يرون إلا الحس في هذه