تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إذا صح فقرك إليه وتحققت ذلتك بين يديه أتحفك بأنسه وزج بك في حضرة قدسه كما أشار إلى ذلك بقوله متى أوحشك من خلقه فأعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به قلت هذه سنة الله تعالى في خلقه إذا أراد أن يؤنس عبده بذكره ويتحفه بمعرفته أوحشه من خلقه وشغله بخدمته وألهمه ذكره حتى إذا أمتلأ قلبه بالأنوار وتمكن من حلاوة الشهود والأستبصار رده إليهم رحمة لهم لأنه حينئذ لقوته يأخذ منهم ولا يأخذون منه ومثاله في الحس كفتيلة شعلتها فما دامت ضعيفة لا بد أن تحفظها من الريح وتقصد بها المواضع الخفية فإذا أشتد نورها وأشعلتها في الحطب صعدت بها إلى ظهور الجبال فبقدر ما يصيبها الريح يعظم أشتعالها كذلك الفقير ما دام في البداية لا يليق به إلا الوحشة من الخلق والفرار منهم فإذا تمكن في الشهود فلا يليق به حينئذ إلا الخلطة معهم لأنهم لا يضرونه فمتي أوحشك أيها الفقير من خلقه وعزلك عنهم في قلبك فأعلم أنه تعالى أراد أن يؤنسك به ويغنيك بمعرفته فقد كان عليه السلام حين قرب أوان النبوة والرسالة حبب إليه الخلوة فكان يخلو بغار حراء وحكمة ذلك تصفية البواطن من الشواغل والشواغب لتتهيأ لقبول ما تتحمله من الأسرار والمواهب فإذا تطهر من الأكدار ملئ بالأنوار فأشرقت فيه شموس العرفان وتمكن من حضرة الشهود والعيان فهذه سنة الله في أوليائه وأصفيائه يفرون أولا من الناس حتى يحصل لهم منهم الأياس ثم يردهم الحق إليهم رغما على أنفهم لمقام الدلالة والأرشاد فينتفع بهم العباد وتحيا بوجودهم البلاد وفي مثلهم قال الشاعر

تحيا بكم كل أرض تنزلون بها ... كأنكم في بقاع الأرض أمطار

وتشتهي العين فيكم منظرا حسنا ... كأنكم في عيون الناس أزهار

ونوركم يهتدي الساري برؤيته ... كأنكم في ظلام الليل أقمار

العطائية · الصفحة ٢٦٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

العطائيةص ٢٦٣