كصبي رأى طعاما حسنا أو حلواء أو عسلا وفيه سم وأبوه عالم بما فيه فكلما بطش الصبي لذلك الطعام رده أبوه فالصبي يبكي عليه لعدم علمه وأبوه يرده بالقهر لوجود علمه فلو عقل الصبي ما فيه ما بطش إليه ولعلم نصح أبيه وشدة رأفته به ومثال آخر كرجل صنع طعاما جيدا وعمل فيه بصاقا ومخاطا أو قذرا وأتي به لمن لا يعرفه فكل من رآه ولم يعرف ما فيه بطشت نفسه إليه فلو علم ما فيه ما بطشت نفسه فإذا نهاه عنه من علم ما فيه أتهمه لعدم فهمه كذلك العبد يبطش للدنيا أو الرياسة أو غير ذلك مما فيه ضرره فيمنعه الحق تعالى منه رحمة به وشفقة عليه وأعتناء به فإذا فهم عن الله سلم الأمر إلى مولاه ولم يتهمه فيما أبرمه وقضاه وإذا لم يفهم عن الله تحسر وربما سخط فإذا إنكشف له سر ذلك بعد علم ما كان في ذلك من الخير لكن فاتته درجة الصبر لقوله عليه السلام إنما الصبر عند الصدمة الأولى وأنظر قضية الرجل الذي كان يسكن في البادية وكان من العارفين فأتفق له ذات يوم أن مات حماره وكلبه وديكه فأتي إليه أهله فقالوا له حين مات الحمار مات حمارنا فقال خير ثم قالوا مات الكلب فقال خير ثم قالوا مات الديك فقال خير فغضب أهل الدار وقالوا أي خير في هذا متاعنا ذهب ونحن ننظر فأتفق أن بعض العرب ضربوا على ذلك الحي في تلك الليلة فأحتاحوا كل ما فيه وكانوا يستدلون على الخيام بنهيق الحمار ونباح الكلاب وصراخ الديكة فأصبحت خيمته سالمة إذ لم يكن بقي من يفضحها فأنظر كيف كان حسن نظر الحق لأوليائه وحسن تدبيره لهم وكيف فهم الرجل العارف ما في ذلك من السر في أول مرة فهذا هو الفهم عن الله رزقنا الله من ذلك الحظ الأوفر أمين قال الشبلي الصوفية أطفال في حجر الحق تعالى اه يعني أنه يتولى حفظهم وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم ولا يكلهم إلى أنفسهم والله تعالى أعلم وسبب عدم الفهم عن الله هو الوقوف مع ظواهر الأشياء دون النظر إلى بواطنها كما أبان ذلك بقوله الأكوان ظاهرا غرة
العطائية · الصفحة ٢٢٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
العطائيةص ٢٢٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي