وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً لله تعالى، وجزءاً لنفسه، وجزءاً لأهله، ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين الناس، فيردّ ذلك بالخاصّة على العامّة، ولا يدّخر عنهم شيئاً.
وكان من سيرته - صلى الله عليه وسلم - في جزء الأمّة: إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر فضلهم في الدين:
فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما يصلحهم والأمّة من مسألتهم عنه، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: (ليبلّغ الشاهدُ الغائبَ، وأبلغوني حاجةَ مَن لا يستطيعُ إبلاغَها، فإنّه مَن أبلغ سُلطاناً حَاجةَ مَن لا يَستطيعُ إبلاغَها ثبّتَ اللهُ قدميه يومَ القيامة)، لا يذكر عنده إلاّ ذلك، ولا يقبل من أحد غيره .. يدخلون روّاداً، ولا يفترقون إلا على ذواق، ويخرجون أدلّة على الخير.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يشاور أصحابه، فيما لم ينزل فيه وحي، وينزل عند رأي بعضهم ويعمل به، وقال لصاحبيه ووزيريه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: (لَوِ اجْتَمَعْتُمَا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا) (1).
وكان - صلى الله عليه وسلم - يكنّي أصحابه، ويدعوهم بأحبّ الأسماء إليهم، ويغيّر لهم الأسماء القبيحة، أو المكروهة غير المستحسنة إلى أسماء حسنة.
وكان ينهى عن الطِّيرة، ويُعجبه الفأل الحسن، وهو الكلمة الطيّبة ..
وكان يحبّ التيمّن في تنعّله وترجّله، وفي طهوره، وفي شأنه كلّه.
(1) ـ كما في مسند الإمام أحمد: 17309.