وكان - صلى الله عليه وسلم - يمازح أصحابه ونساءه، ويداعب الأطفال غير أنّه لا يقول في ذلك كلّه إلاّ حقّاً، ولا ينطق إلا صدقاً، وكان جُلّ ضحكه التبسّم، وربما ضحك من غير قهقهة.
وكان - صلى الله عليه وسلم - متواصل الأحزان، خشيةً لله وإجلالاً، وتفكّراً في الآخرة واهتماماً، وتحمّلاً لمسئوليّة الدين والدعوة، دائم الفكرة ليست له راحة، ولا يتكلّم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه ـ لا بأطراف فمه ـ ويتكلّم بجوامع الكلم فصلاً لا فضول فيه، ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا بالمهين، يعظّم النعمة وإن دقّت، ويشكرُ المعروف، ويُثني على صاحبه، ولا يذمّ شيئاً ولا يعيبه، ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يذمّ طعاماً، ولا يمدحه، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه.
وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، وإذا انتهكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، إذا أشار أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جُلّ ضحِكِه التبسّمُ، ويَفترّ عن مثل حبّ الغمام ..
وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يثبت نظره في وجه أحد، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة، ولا يشافه أحداً بما يكره، وإذا بلغه عن أحد أو قوم ما يكرهه قال: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟!).
وكان - صلى الله عليه وسلم - يخزن لسانه عما لا يعنيه، يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ويجمعهم ولا يفرّقهم، يكرم كريم كلّ قوم، ويولّيه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بِشره ..
وكان - صلى الله عليه وسلم - يتفقّد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس ويحسّن الحسن ويصوّبه، ويقبّح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل