تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتتجلّى عظمة شخصيّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - فيما كان عليه من عيش: أنّ زهده - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا، وتقلّله منها كان اختياراً منه - صلى الله عليه وسلم - لا اضطراراً؛ فقد خيّره الله تعالى بين حال الفقر والغنى، وحال الملك أو التجرّدِ منه، فاختار الفقر، والتجرّد مِن الملك، إيثاراً للآخرة على الدنيا، ولئلاّ يظنّ أحد أنّه يبتغي بدعوته شيئاً من عرضها، أو مطمعاً من مطامعها ..

وحَقيقة الزهد في الدنيا إنّما هو الترفّع عن زخرفها وزينتها، والتعلّق بالآخرة ومَا فيها، فالزهد الحَقيقيّ في الدنيا يقترن بهِ الإقبالُ الصادق على الآخرة والاستعداد لها، وينشأ عِن ذلك كفّ النفس عَن التوسّع بمباحَات الدنيا؛ مِنْ مأكل ومشرب ومسكن، إيثاراً للآخرة واهتمَاماً بهَا، وتنزّهاً أن يكون الإنسان عبد أهوَائه، وأسير شهواته ومَلذّاته، لا تحريماً لما أحلّ اللهُ من الطيّبات، التي ينالها بكسبٍ طيّب ..

وقَد كان زهدُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زهدَ القَادر المُستطيعِ، فقد أوتِي مفاتيح خَزائن الأرضِ، وأُحلّت لَه الغنائم، وخُصَّ بِالخمس منها، ومَا أفاء اللهُ عليْه بغيرِ قتال، فما استأثرَ بشيء مِنْ ذلكَ لنفسه أو لأهل بيته، وإِنَّمَا آثرَ به محاويج أصحابه، وبذله في مصالحِ الدعوَةِ ومقاصدها.

وما أكثرَ الذين يرون أنّ عظمتهم بين الناس ورفعتهم لا تكون إلاّ بكثرة الخدم والحشم، وجمع المال والنشب، والتباهي بمظاهر الدنيا وزينتها، والترفّع على الناس، والاحتجاب عنهم .. وقد علّم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الإنسانيّة بحياته وسيرته أنّ العظمة الحقيقيّة غير ذلك كلّه ..

إنّها عظمة المعاني التي تملأ نفس الإنسان، وتتمثّل في حياته وسلوكه .. عظمة الإيمان بالله تعالى والاتّصال به، والتوكّل عليه، والتسليم في كلّ

نبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم · الصفحة ١٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

نبي الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلمص ١٨٨