فإذا التفت كان أبلغ في دعائهم وإعلامهم ، وليس فيه ترك أدب . قال أصحابنا : والمراد بالالتفات أن يلوي رأسه وعنقه ولا يحول صدره عن القبلة ولا يزيل قدمه عن مكانها . وهذا معنى قول المصنف : ولا يستدير ، ودليله الحديث المذكور والمحافظة على جهة القبلة ، وهذا الذي ذكرناه من أنه لا يستدير في المنارة وغيرها هو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي وقطع به الجمهور . وقال صاحب الحاوي : إن كان بلدا صغيرا وعددا قليلا لم يستدر ، وإن كان كبيرا ففي جواز الاستدارة وجهان ، وهما في موضع الحيعلتين ولا يستدير في غيره وهذا غريب ضعيف ، والسنة في إقامة الصلاة أن يكون مستقبل القبلة وقائما كما ذكرنا في الأذان ، فإن ترك الاستقبال والقيام فيها فهو كتركه في الأذان ، وهل يستحب الالتفات في الإقامة فيه ثلاثة أوجه أصحها : يستحب ، ونقل إمام الحرمين إتفاق الأصحاب عليه قال : وحكى بعض المصنفين ، يعني الفوارني صاحب الإبانة عن القفال أنه قال مرة : لا يستحب . قال الإمام : وهذا غير صحيح ، والوجه الثاني : لا يستحب ، ورجحه البغوي ، لأن الإقامة للحاضرين فلا حاجة إلى الالتفات . والثالث : لا يلتفت إلا أن يكبر المسجد ، وبه قطع المتولي قال أصحابنا : وإذا شرع في الإقامة في موضع تممها فيه ولا يمشي في أثنائها . فرع : في مذاهب العلماء في الالتفاتات في الحيعلتين والاستدارة : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب الالتفات في الحيعلة يمينا وشمالا ولا يدور ولا يستدبر القبلة ، سواء كان على الأرض أو على منارة ، وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي وأبو ثور ، وهو رواية عن أحمد ، وقال ابن سيرين : يكره الالتفات وقال مالك : لا يدور ولا يلتفت إلا أن يريد إسماع الناس . وقال أبو حنيفة وإسحاق وأحمد في رواية : يلتفت ولا يدور إلا أن يكون على منارة فيدور ، واحتج لمن قال يدور بحديث الحجاج بن أرطاة عن عون بن أبي جحيفة عن أبي جحيفة قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح فخرج بلال فأذن فاستدار في أذانه رواه ابن ماجه والبيهقي . واحتج أصحابنا بالحديث الصحيح السابق من رواية أبي داود : أنه لم يستدر ، وأما حديث الحجاج فجوابه من أوجه ، أحدها أنه ضعيف لأن الحجاج ضعيف ومدلس ، والضعيف لا يحتج به ، والمدلس إذا قال : عن من لا يحتج به ولو كان عدلا ضابطا . والجواب الثاني : أنه مخالف لرواية الثقات عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه فوجب رده . والجواب الثالث : أن الاستدارة تحمل على الالتفات جمعا بين الروايات ، وقد روي عن غير جهة
المجموع · الجزء ٣ · الصفحة ١١٦
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
المجموعج ٣ · ص ١١٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي